الأرشيفبساط الريح

خطاب الأراجوز – أحمد الدَبَشْ

في خطاب استمر أكثر من ثلاث ساعات، وأدخل البهجة في قلوب الحاضرين، تخلله 232 تصفيق قياماً وجلوساً، أعاد محمود عبّاس، رئيس سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود، والقائد العام لحركة «فتح»، تمثيل شخصية الأراجوز، وهو نوع من أنواع عروض فن الدمى، وأشهرها على الإطلاق في مصر القديمة. وتعتمد دراما الأراجوز على العرائس، من خلال وسيط محدد هو اللعب بالعروسة التي يحركها اللاعب من خلف «البرفان» دون أن يراه الجمهور، الذي يتكون من الأطفال.

يقول المؤرخ التركى أوليا جيلى، في كتابه «سياحت نامة مصر»، إلى أن الناس في مصر كانوا يخففون عن آلام المرضى بدمى خشبية، وكان المرضى يستجيبون في التحسن بشكل ملحوظ، ثم ظهر هذا الفن كوسيلة للتسلية في شوارع البلاد في العصر المملوكي.

 

 

المراسم الأراجوزية

 

 

في اليوم الأول (2016/11/29) لانعقاد المؤتمر السابع لحركة «فتح»، في قاعة أحمد الشقيري، داخل المقاطعة، رام الله؛ دخل عبّاس برفقه رامي الحمد لله رئيس وزراءه، وماجد فرج رئيس مخابراته، وسط تصفيق حار من الحضور قياماً وجلوساً، جلس عبّاس في الصف الأول يتوسط القياديان المؤسسان في حركة «فتح» أبو ماهر غنيم وسليم الزعنون، جلس عبّاس على كرسي مختلف عن زملاءه، في إشارة لها دلالات إلى أنه هو الحاكم الأمر الناهي الأوحد في حركة «فتح»، الذي لا يجوز أن يتساوى مع باقي الحضور، وان كانوا من مؤسسي حركة «فتح».

 

 

أعلن عبّاس انطلاق أعمال المؤتمر السابع لحركة «فتح»، وسط تصفيق الحضور قياماً وجلوساً بعد كل جملة يليقها.

 

 

ألقى سليم الزعنون، رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، كلمته وهو بحالة إعياء واضحة، جاء فيها: «أن اللجنة المركزية أوصت بالإجماع ترشيح محمود عبّاس رئيساً للحركة». وبذلك تم تنصيب عبّاس قائداً للحركة بالإجماع بدون انتخابات، وبدون منافسين، ولخمس سنوات مقبلة!! لقطع الطريق على محمد دحلان، في سابقة خطيرة تحدث للمرة الأولى في تاريخ مؤتمرات حركة «فتح».

 

 

خطاب الأراجوز

 

 

في اليوم التالي (2016/11/30)، وقبل دخول عبّاس لقاعة المؤتمر، كانت الأجواء احتفالية حيث رقص أعضاء المؤتمر وصفقوا على الحان الأغاني الثورية لحركة «فتح» مثل «طل سلاحي من جراحي»، و«غلابة يا فتح»، وغيرها من الأغاني الثورية.

 

 

ألقى عبّاس خطاباً بهلوانياً / أراجوزياً، بعد أن تم تأجيله ليوم واحد، لم يتطرق فيه إلى قضية اغتيال ياسر عرفات، فقد وعدنا سابقاً أنه سيكشف لنا من قتل عرفات؟ وكان «الخطاب التاريخي»، حسب وصف القيادة الفتحاوية، خطاب إطلاق رصاصة الرحمة على حركة «فتح».

 

 

فقد أكد عبّاس على منطلقاته السياسية، وهي تمسكه بخيار السلام العادل والشامل على أساس حل الدولتين كخيار استراتيجي. وأنه متمسك بالثوابت!! ولكنه لم يخبرنا أي ثوابت هذه؟ هل هي ثوابتنا كشعب فلسطيني المتمثلة في تحرير فلسطين كل فلسطين التاريخية، أم ثوابت الرباعية الدولية المتمثلة بالمفاوضات والتعايش مع العدو الصهيوني؟! ان استمراء استخدام عبّاس مصطلح الثوابت، يذكرنا بـ «الفيزون»، وهو نوعيه من القماش الضيق الذي يمكن أن يستوعب أكبر من حجمه ويكون مجسم على شكل الجسم، وهي خامة مريحة في اللبس، وفي المظهر تظهر تفاصيل الجسم بكل وضوح.

 

 

اعترف عبّاس بوضوح أنه هو من كلف عصام السرطاوي بالتواصل مع العدو الصهيوني، وأنه أول من طرح الحوار مع العدو الصهيوني في أوائل السبعينيات. علماً بأن حركة «فتح» كانت تعتبر كل من يحاول الاتصال بالعدو الصهيوني خائن وخارج عن الصف الوطني آنذاك.

 

 

قال عبّاس أنه مقتنع بتقديم التعزية بوفاة «بيريز» وهو واجب إنساني قام به من دافع أخلاقي، وهو نوع من التواصل المجتمعي. وأضاف تواصلنا مع جيراننا – يقصد العدو الصهيوني – وقدمنا المساعدة وأرسلنا الدفاع المدني وهذا واجب تجاه الجار.

 

 

ومع أنني لا أرغب في تعدُّد مثالِب المدعو عبَّاس؛ إلا أنني أَجِد نفسي مُجبَراً أحياناً؛ لأُذَكِّر القارئ بما كَتَبْت عنهُ. ففي مقالي «عرفات رئيس صوري وأبو مازن رئيس وزراء أمريكاني»؛ المنشور في جريدة «الأحرار» المصرية، بتاريخ 18/8/2002. تنبَّأت بصعود أبو مازن للسلطة الفلسطينية؛ وحذَّرت يومها من مَغَبَّة تكرار تجربة كرازي فلسطين؛ وأكَّدت على العلاقات الوثيقة؛ التي تربط أبو مازن بالبيت الأبيض والكيان الصهيوني؛ وتوصَّلت إلى نتيجة؛ مفادها أن تحرُّكات أبو مازن تجعلهُ الوريث الأول لخلافه عرفات.

 

 

في نهاية المطاف، أجد لزاماً علينا أن نشير إلى أوجه الشبه بين خطاب عبّاس والأراجوز، فالاثنان يحركهما لاعب من خلف «البرفان» دون أن يراه الجمهور. والاثنان وسيلة للتسلية، فالأراجوز يسعد الحضور من الأطفال، وعبّاس أسعد أنصاره الحاضرين وسط التصفيق قياماً وجلوساً.

 

 

* كاتِب وباحِث فلسطيني في التاريخِ القديمِ

 

 

1 كانون الأول 2016

اترك تعليقاً