الأرشيفعربي وعالمي

عن جريمة بيروت الأخيرة – مريم المحمود

يتميز لبنان بالإضافة إلى أرزته الشهيرة و”قرب الجبل من البحر” بامتلاكه واحدة من أسفل منظومات الإعلام المحلي وأسقطها أخلاقياً.
لا أتحدث هنا عن الموضوعية أو تخطي بعض القواعد المهنية هنا وهناك، بل عن صناعة الدم. الإعلام المحلي اللبناني صنع دم الأمس عبر التعبئة قبل الجريمة، وجعله بعد الجريمة دماً مقبولاً وهيّناً و”جلبته الضحية على نفسها” في نظر شرائح كبيرة.
هكذا في ميزانهم للدم يصنفون دم انفجار 4 آب دم ثقيل، لا يُحتمل، لا غفران فيه، ويسبب “التروما” لشعب بأكمله. بينما يكون دم الأمس خفيف ومحزن لكن كان من الممكن للضحية تفاديه، وهو في النهاية نتيجة “اشتباك” ساهم فيه القتيل بجلب الرصاصة إلى رأسه، فهو مُلام أيضاً.
وبنفس خفته يصنّف دم المشيعين في خلدة قبل عدة أشهر، ودم التفجيرات في الضاحية الجنوبية لبيروت عام 2014، ودم العدوان “الإسرائيلي” على لبنان عام 2006، وغيره الكثير.
لم تسبب أياً من هذه المآسي والجرائم تروما لشعب بأكمله، فالإعلام المحلي السافل والساقط والمرتهن لطالما ظهّر الضحايا فيهم أنهم اجتلبوا هذا الموت على أنفسهم بخياراتهم السياسية.
لسان حالهم في نعي الضحايا “يا حرام ماتو. بس يعني، هني هيك اختارو.” ولو صحّ لهم قول “توَفّوا” لما قصّروا. هذا الإعلام نفسه انتقى يوم أمس دم مريم ليتقيأ علينا عبره إنسانيته وموضوعتيه المفرطة.
هرب إلى دم الشهيدة مريم ومأساة أطفالها الخمسة في نشرة ليل الجريمة لأنها لم تكن في الشارع، وكأن المقتولين في الشارع قتلوا أنفسهم ولا أهل لهم أو أطفال، وبعدها سيصمت عن الدم كله.
الجديد بنظري تتربع على عرش المنظومة المقصودة في هذا المنشور.
الجديد التي تتلون كل ساعة بلون.
التي تتغنى بفلسطين تارة، وبالمقاومة تارة، ثم تشارك في إطلاق رصاصات الموت على الحاضنة الشعبية للمقاومة في تغطيتها لكل حدث مفصلي لزوم المال والارتهان تحت حجج الحياد والرمادية.
شخصياً، أمتنع منذ سنوات عن متابعة أي نشرات أخبار محلية وبرامج الثرثرة السياسية الحاقدة على هذه القنوات خاصة. الحياة والخيارات والأزمات والمعارك المفصلية أصفى وأهون بدون هذا السم الذي نتجرعه يومياً.
قاطعوهم.
قاطعوا من صار دمكم في عيونهم ماء.
*الصورة لدم الشهيدة مريم في منزلها.