الأرشيفعربي وعالمي

 متاهة حل الدولتين … توليفة استمرار الصراع – زهير كمال

فجأة تذكر الساسة الأمريكان والأوروبيون أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان وجود حل اسمه (حل الدولتين). طبعاً لم يكن لهذا الحل أن يتذكره أحد لو بقي الفلسطينيون ساكتين قانعين بما حل بهم من مصائب وويلات عبر عصور طويلة من هؤلاء الغزاة القادمين من أوروبا.

للأمانة فقد همهم بايدن بهذا الموضوع في زيارته الأولى للمنطقة، عندما ذهب الى رام الله، وكان هذا من باب رفع العتب، كلاماً للاستهلاك المحلي موجهاً للعرب والفلسطينيين ويبقى كلاماً مجرداً في الهواء، فلا أحد يريد إغضاب “الإسرائيليين”.  

الساسة الأمريكان والأوروبيون عندهم مشاكل دولية ومحلية ولا وقت لديهم للتفكير بحلول لمشاكل جديدة،  لم يكن لديهم سوى (حل الدولتين) الذى كان على الطاولة قبل 30 عاماً.

لابد هنا من ذكر الحل الذي طرحه فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي الذي طالب بدولة منزوعة السلاح في إطار حل الدولتين، كأنه يريد طمأنة الإسرائيليين أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

لسان حال السيسي يقول : لا تخافوا يا أحبابنا ستظلون أنتم المسيطرين في المنطقة، لكم الكلمة الأولى واليد الطولى ، ناسياً أن بلده مصر هي الأولى بهذه المكانة ( ” ناسياً ” هي كلمة مخففة والأحرى أن نستبدل بهاِ ” جاهلاً ” مكانة مصر العظيمة).

كان ممكناً تطبيق حل الدولتين قبل 30 عاماً ، رغم الإجحاف الشديد في هذا الحل بحقوق الفلسطينيين ، يومها كانت عين ياسر عرفات على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من فلسطين بترتيب وضع لأهل الضفة الغربية وغزة وإقامة دولة على 22% من مساحة فلسطين التاريخية مغمضاً عينيه عن حقوق اللاجئين الذين ما زالوا رغم مرور الزمن منذ النكبة يعيشون في معسكرات داخل فلسطين وفي الدول المجاورة لها رافضين الانتقال منها، حاملين مفاتيح بيوتهم القديمة وحالمين بالعودة إليها يوماً ما.

لم يتحقق هذا الحل ومرت 30 عاماً على طرحه لأول مرة ، وما زال اللاجئون يحملون المفاتيح التي ورثوها عن أجدادهم وأباءهم ولم يستيقظوا بعد من حلمهم الجميل ولم يخمد أملهم رغم كل تلك السنين .

حدث فرق هائل على الأرض بعد 30 عاماً، تضاعف عددهم مرة ونصف على الأقل وهذا رد الفعل الطبيعي للشعوب التي تعيش أزمة تهدد وجودها، في نفس الوقت استورد عدوهم من بقايا الاتحاد السوفييتي عدداً لا يقل عن مليون نسمة ضارباً عرض الحائط بيهودية المهاجرين الجدد. وعمل على التوسع في الضفة الغربية التي يسميها (يهودا والسامرة) فقام بإسكان ما يتراوح بين نصف مليون وثلاثة أرباع المليون نسمة فيها، لم يفكر الكيان الصهيوني أبداً بتسليمها الى الفلسطينيين لإقامة دولة لهم ، رغم أن بعض الفلسطينيين أمثال محمود عباس يوهمون أنفسهم أنه قد تحدث معجزة ما يوماً ما فيحصلون عليها بشرط انتهاج العمل السلمي آملين أن يتصدق عليهم عدوهم ببعض الفتات. فارتضوا أن يكونوا شرطة لحفظ النظام بين السكان الذين يرون أراضيهم تسرق منهم وبيوتهم تهدم فوق رؤوسهم وعليهم أن يظلوا ساكتين قابلين ببطش العدو الذي يعتبرهم عبئاً على البشر وحمولة لابد من التخلص منها.

مع غروب شمس السابع من اكتوبر انتقلت قيادة الشعب الفلسطيني عملياً الى المقاومة الفلسطينية التي تقود الحرب والمفاوضات، أصبح الموجودون في رام الله مجرد خيال مآتة يحاول الأمريكان بث روح الحياة فيها.

هؤلاء الساسة الغربيون لا يملكون الشجاعة والجرأة على طرح موضوع حل الدولتين على القيادة الإسرائيلية ، لو قاموا بذلك سيصدمون عند طرح موضوع المستوطنين في الضفة الغربية وقد أصبحوا أمراً واقعاً وسيتوهون مع الصهاينة عندما يذكرونهم بقرارات الأمم المتحدة وعدم شرعية الاستيطان في المناطق المحتلة، هذه المتاهة لن يخرج منها أحد لفترة طويلة وهي لا تعني القيادة الفلسطينية الجديدة التي لن تلدغ من نفس الجحر مرتين.

لا يريد أحد ذكر الحل الإنساني الصحيح الذي طرحته الثورة الفلسطينية في بداياتها وهو إقامة دولة فلسطينية علمانية ديمقراطية يعيش فيها المسلمين والمسيحيون واليهود على قدم المساواة مع عودة اللاجئين الى بيوتهم وتعويضهم عن المعاناة التي عاشوها خلال هذه المدة الطويلة من التشرد.

قد يبدو أن حلاً كهذا بعيد المنال ولكن هناك متغيرات دولية هامة تحدث الآن وستتطور بشكل أفضل لمصلحة الفلسطينيين. ولكن هذا الحل لا يمكن فرضه إلا بالقوة وأتمنى على فصائل المقاومة أن ترفعه كهدف نهائي لها، سيقدم هذا الهدف نافذة أمل لليهود أن هدف الفلسطينيين ليس إفناءهم بل التعايش معهم وربما سينضمون لفصائل المقاومة لتحقيق هذا الهدف.

ولنا في تجربة جنوب أفريقيا ونلسون مانديللا نموذجاً هادياً يحتذى به.

الفجر دائماً قادم.      

3-12-2023