من هنا وهناك

يارا سلّام.. بين “الشغف” وحقوق الإنسان

يارا سلّام.. بين “الشغف” وحقوق الإنسان

 
حنان البدوي

يتحدث الكثيرون من زملاء يارا رفعت سلام (28 عاما) عنها مهنيا كمحامية ماهرة وباحثة متميزة، فى حين يرى بعض رفقائها، أن الأكثر إبهارًا فيها هو ود طفولي وابتسامة شغوفة، تكاد لا تفارقها مهما كان ما تواجهه.

عقب إعلان قرار النيابة العامة اليوم، بحسبها 4 أيام على ذمة التحقيق، والذي أتى بعد إلقاء القبض عليها في حي مصر الجديدة، يوم السبت الماضي، كتب أحمد نصار، أحد زملاء يارا السابقين، في صفحته على موقع فيسبوك “غير قادر على استيعاب كيف يمكن احتجاز شخص نقي وودود مثل يارا”. ووصف نصار كيف نشأت صداقته مع يارا بعد أيام قليلة من معرفتهما العام الماضي “يارا بلا شك هي واحدة من هؤلاء اﻷشخاص النادرين، الذين تشعر تجاههم بالارتياح والثقة”.

كان اهتمام يارا المبكر بالدفاع عن حقوق الإنسان – منذ كانت في سن الخامسة عشر – هو ما دفعها لدراسة الحقوق، ثم الحصول على ماجستير في القانون الدولي لحقوق الإنسان من جامعة نوتردام. “اهتمامي بحقوق الإنسان بدأ منذ أن كنت عضوة في جمعية النسور الصغيرة، التي تعني بحقوق اﻷطفال”، تقول يارا في مقابلة تم تسجيلها معها في أوائل عام 2013، مشيرة إلى نشاطات جمعية «النسور الصغيرة» التي دأب أبناء الطبقة الوسطى – خصوصا ذوي التوجه اليساري – على إلحاق أطفالهم بها خلال التسعينات وأوائل الألفينات، وأسهمت في تعريف الأطفال المشاركين بقضايا حقوق الإنسان خصوصا حقوق الطفل.

“تجربة «النسور الصغيرة» كانت مهمة طبعًا في تكوين يارا”، تقول والدتها المترجمة والرسامة راوية صادق. “ذلك إلي جانب أنشطة عدة، بدأت يارا الإشتراك فيها من خلال مكتبة مصر الجديدة، وبدأت من خلال هذه اﻷنشطة رحلات للسفر لدول عدة منذ كانت في سن الرابعة عشر”، تضيف راوية، مفسرة اهتمام يارا منذ صغرها بالسفر والإطلاع.

راوية تستكمل: “بالرغم من أنها خجولة، لكنها أيضًا (لمضة).. وهذه (اللماضة) ساعدتها في التوجه لدراسة الحقوق”.

بدأت يارا حياتها المهنية بعد تخرجها من كلية الحقوق بجامعة القاهرة، كباحثة في شئون الحريات المدنية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ثم عقب حصولها على شهادة الماجستير، عملت كمساعدة قانونية باللجنة اﻷفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في جامبيا.

وبعد عودتها إلى القاهرة، عقب اندلاع الثورة المصرية في أوائل 2011، التحقت يارا بالعمل في مؤسسة «نظرة» للدراسات النسوية، حيث رأست «برنامج المدافعات عن حقوق الإنسان»، والذي ركز على  توفير الدعم القانوني والطبي والمعنوي للنساء المشاركات في المجال العام، والعمل على تثبيت أقدام هؤلاء المشاركات في الحفاظ على مساحتهن في المجال العام، ودعمهن إزاء ما يتعرضن له من انتهاكات، في وقت شهد تزايد هائل في الانتهاكات ضد النساء في المجال العام. كان هذا البرنامج الذي رأسته يارا لما يزيد عن العام، من أولى الأدوات التي عنت بتوثيق الانتهاكات ضد النساء، وتقديم الدعم اللازم لهن والسعي من أجل الحد منها، وهو العمل الذي أهلها للترشح لدرع المدافعين عن حقوق الإنسان في شمال أفريقيا لعام 2013.

وفي يونيو 2013، انتقلت يارا للعمل مرة أخري في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، كباحثة في شئون العدالة الانتقالية. ويقول محمد الشيوي الباحث في شئون العدالة الانتقالية ايضا – والذي زامل يارا عن قرب لمدة عام – إن أكثر ما يميز يارا هو شغفها، “هي إنسانة شغوفة جدًا، ومخلصة لعملها جدا.. تنقل حماسها لمن حولها.. تشارك معهم خبرتها، وتبدو دائمًا على استعداد للتعلم من الجميع”.

ربما لا يعتبر اسم يارا معروفا مثل نشطاء آخرين، ولكن اﻷكيد أنها واحدة من أكثر الحقوقيين مهنية ومصداقية. “يارا مختلفة” كما يقول كريم عمر، أحد أصدقاءها – والذي تعرف عليها لدى التحاقها بجمعية «النسور الصغيرة» عام 1998 – واصفًا كيف لا يوجد خط فاصل بين مهنة يارا التي تبرع فيها ومشاعرها، فهي تنفعل بكل ما تفعله.. وتفعل ما تنفعل به. “شغف.. ربما هي الكلمة التي أبحث عنها لوصف الحالة التي تعبر عن يارا”.

“شغف” هي الكلمة التي تظهر على رأس مدونة يارا، التي تتحدث فيها بشغف حقيقي عن كل شيء: الثورة والتحرش والموت والحب.

رغم كل ما يتعلق بعملها من متاعب، وما يلتهمه هذا العمل من وقت وطاقة، تبدو يارا دائما قادرة على إضفاء البهجة حيث تتواجد. تملع عينيها حين تشتري دراجة زرقاء اللون، وتحدث الزملاء عن متعة قيادة هذه الدراجة من جاردن سيتي إلى حي مصر الجديدة، وحين تتحدث بحماس عن تجاربها في الغطس بمناطق مختلفة ورحلاتها إلى دهب، أو حين تلتحق بورشة لأعمال النجارة، وتتحدث عن خططها للإستمرار في تعلم النجارة، حتى تتمكن من صناعة بعض قطع أثاث للمنزل.

يوم ألقي القبض على يارا، كانت خطتها لليوم هي حضور حفل عيد ميلاد «مدى مصر». إلا أنه بدلًا من الاستمتاع بموسيقى الحفل مساء السبت، قضت يارا ليلتها مع أكثر من 30 من المحتجزين داخل قسم مصر الجديدة.

وطبقا لبيان مشترك صادر عن مجموعة منظمات حقوقية، كانت يارا وابن خالتها شهاب فخري إسماعيل قد ألقي القبض عليهما مساء السبت، بواسطة مجموعات ترتدي زيًّا مدنيًّا، قاموا بتسليمهما إلى أفراد أمن، وتم اقتيادهما إلى قسم شرطة مصر الجديدة، وذلك بعدما وُجِّه إليهما السباب والإهانات، وتم اقتيادهما بالقوة إلى داخل سيارة الترحيلات. وبينما تطابقت أقوال يارا وشهاب، أُطلق سراح شهاب فجر اﻷحد، بينما أحيلت يارا، ضمن 24 آخرين إلى النيابة العامة، ووجهت إليهم قائمة اتهامات، منها خرق قانون التظاهر وإتلاف ممتلكات عامة وخاصة واستعراض القوة وحيازة مفرقعات.

ويقول المحامون زملاء يارا أن قائمة التهم تبدو عبثية تمامًا، بمجرد النظر الى قوام يارا وتأمل تلك الابتسامة العريضة التي تملأ وجهها.

اترك تعليقاً