الأرشيفوقفة عز

الشيخ أحمد خالد عرنوس الأسدي – نضال حمد

كان شيخاً مداعباً ومزيحاً ومرحاً وصاحب نكتة وحديث لا يمل منه كما وكان ينثر الضحكات والبسمات بين الحضور. عرفته في المخيم وبقي في ذاكرتي كشيخ محترم وكشخص متحضر. كان واعياً ويعرف ظروف شعبه ومخيمه في تلك الحقبة من الزمن، لأن تلك المرحلة التي كنا نعيش فيها كانت مرحلة انتقالية وإن طالت واستمرت طويلاً بسبب عوامل داخلية ومحلية وخارجية. إذ عشنا في فوضى السلاح والثورة وفي غابة البنادق. رحمه الله فقد كان شيخاً متسامحاً وصديقاً للكبير وللصغير. لا أعرف متى توفي ولا متى ولد. أعرف أن الشيخ الأسدي كان يعمل أيضاً في تصليح الالكترونيات وكان له محل على ما أذكر في سوق الخضار ثم انتقل الى محل آخر على الشارع التحتاني حيث معقل آل الأسدي قرب الجسر والوادي غير بعيد عن منزل أو “خشة” البطل الختيار أبو صالح الأسدي. هناك إستأجر محلاً من المرحوم أبو أكرم شناعة عم صديقي الأستاذ أبو نزار شناعة في برلين. بعد ذلك انتقل الى سيروب حيث بقي هناك في جامع عبدالله العثمان.
الشيخ أحمد خالد الأسدي من مواليد ١٩٣٠ في بلدة دير الأسد في فلسطين وتوفاه الله في لبنان بتاريخ ١٥ تشرين الأول ٢٠٠٣. ودفن في مقبرة سيروب. وقد رزق بأولاد تابعوا مسيرته الدينية والوطنية.
في معرض حديثه عن بلدته وعائلته قال الصديق حسن الأسدي:
“جدنا هو الشيخ محمد الأسد وله مقام في قريتنا دير الأسد الأبية في فلسطين المحتلة. الشيخ الأسدي للعلم كان جارنا بالمخيم الحيط بالحيط، وشقيقه أيضاً شيخ، كنا نناديه في المخيم بالشيخ مصطفى، وكان عنده محل حلاقه قرب دكان أبو محمد الأسدي ومقهى علي عيسى… وهم شيوخ أباً عن جد. بالنسبة لمصطفى رجع زياره إلى فلسطين المحتلة سنة ١٩٦٩، وزوجته وأولاده عملوا له لم شمل، فيما بقي سيدي الشيخ أحمد في المخيم ومن ثم انتقل الى سيروب”.
أما أنا فأذكر أن صديقاً لي أخبرني بأنه تواجد في جلسة مع الشيخ الأسدي رحمهما الله، ذكر الشيخ فيها للمجتمعين أن (ياسر عرفات – أبو عمار-) عينه مفتياً لجيش التحرير او للفلسطينيين في لبنان.. لا أعرف مدى صحة الكلام ولن أعرف لأن الشيخ مات وصاحبي كذلك. فيما صديقنا جمال ياسين من الرأس الأحمرقال أن الشيخ أبرز وثيقة موقعة من أبي عمار(ياسر عرفات) تثبت أن الأخير عينه مفتياً لفلسطين. واكد ذلك أيضاً أخي حسن الأسدي.
عند نشري يوم أمس لصورة الشيخ قرعت على ما يبدو باب الذكريات لدى صديقي وأخي حسن الأسدي المقيم بعيداً عن بلدته دير الأسد وعن مخيم عين الحلوة، في جارة كندا التي لا أحب ذكر إسمها ومما قاله حسن عن قريبه الشيخ أحمد.
“أتذكر آخر لقاء معه عندما كنت في لبنان وحضر لزيارة الوالد عند الظهيرة ولم ندعه يغادر بيتنا إلا بعد الانتهاء من تحضير الأكل ومشاركته لنا، حيث بقي عندنا عدة ساعات لبعد العصر. بالفعل كان رجلاً مثقفاً ذو دعابه شيقه تستأنس بوجوده وتستمتع لحديثه لدرجة أنه لازم تضحك وتبتسم كثيراً عندما يتحدث، ولن تسأم من ذلك مهما طال حديثه معك. هذا انطباعي عنه بعد طول انقطاع بسبب سفري خارج لبنان. أما بالنسبة لفترة طفولتي ونشأتي في الحارة عاصرته شاباً يافعاً عاش بيننا.”.

الأخ عبد سعد الدين قال:

كان الشيخ أحمد ذكيا” و متمكنا” في تصليح الراديو و التلفزيون و كان محله عند ابو أكرم شناعة رحمه الله قريبا” من بيتنا ، كل جيلنا يتذكر راديو الصندوق أبو لمبات و بطاريته الضخمة و أنتين السلك على السطح ، عندما ظهرت راديوهات الترانزستور الأصغر حجما” في الستينات ، عمل الفني الشيخ أحمد على تحويل الراديوهات القديمة إلى ترانزستور و قد حول جدي الراديو القديم عنده . كذلك أتذكر انه عند بداية ظهور التلفزيونات الملونة أحضرت معي من موسكو سنة 1979 حيث كنت ادرس هناك تلفزيونا” ملونا” صغيرا” هدية لوالدي ، و لكن للأسف لم يشتغل في لبنان لإختلاف التردد الإلكتروني بين النظام السوفيتي و الياباني المتوفر وقتها في لبنان ، كان والدي من رواد مقهى ياسين المقابل لورشة الشيخ أحمد فسأله والدي عن إمكانية تعديله فأجابه إذا كان معه الكاتالوج أصنع لك تلفزيونا” جديدا” و بالفعل صلحه و عدله و أشتغل. رحم الله الشيخ أحمد الأسدي فقد كان شيخا” ودودا” و فنيا” رائعا”

عند الحديث عن تلك الحقبة من زمن المخيم وبالذات حقبة ما قبل ولادتي أي عن مشايخ تلك الحقبة الوطنية المفصلية في حياة شعبنا ومخمينا، نجد هناك الشيخ العبليني والشيخ فضل عباس والشيخ عمر الموعد والشيخ فضل رباح والشيخ ابراهيم غنيم والشيخ حسين الزغموت والعم أبو علي عليوة حمد مؤذن جامع الصفصاف، إضافة لبطل حكايتنا اليوم الشيخ أحمد خالد عرنوس الأسدي وهؤلاء كلهم كانوا من مشايخ ما بعد النكبة مباشرة في سنوات الخمسينيات والستينيات من القرن الفائت. عرفهم أهل مخيم عين الحلوة وكنوا لهم احتراماً. فهم كانوا خليطاً من بلدات فلسطين المحتلة التي نزحت باتجاه لبنان وقطنت في مخيم عين الحلوة بالذات. الشيخ العبليني من عبلين والشيخ الموعد من صفورية والشيخ عباس من حطين والشيخ المرحوم ابراهيم غنيم من صفورية والشيخ الزغموت من الصفصاف والشيخ الأسدي من دير الأسد والشيخ المرحوم ابراهيم غنيم من بلدة صفورية.
كما وهناك صديق ورفيق لي في التجربة الثورية الفلسطينية كان لقبه الشيخ حسن – أبو عصام ولا أعرف هل للقبه علاقة بالمشيخة الدينية أو لماذا أطلق عليه لقب الشيخ حسن.
رحمهم الله وغفر لهم ونحن على عهد العودة والتحرير.
١٨-٢-٢٠٢٣
نضال حمد

نضال حمد
١٨-٢-٢٠٢٣