الأرشيفثقافة وفن

فيلم الاختراق /2010/: زراعة الأفكار وسرقة الأحلام!

مهند النابلسي

*يقدم نولان في فلمه الرائع “الاختراق”/2010 عملا ملحميا عصريا يحبس الأنفاس ويرتبط مباشرة بالأحلام ودهاليزها الغامضة,مستخدما كما هائلا من المؤثرات السينمائية المدهشة تضاهي وتتفوق على أعمال سينمائية سابقة كاماتركس والفارس الاسود وغيرها. وغيرها
يخلق نولان في عمله اللافت هذا أحلاما داخل مستويات الوعي ويشحنها بالأسرار والتراكمات والتوقعات وبالذكريات الحميمة,ومن ثم يدعونا كمشاهدين لأن نغوص في طبقات اللاوعي هذه مجسما الاحداث الحلمية بشكل غير مسبوق.وفي اعتقادي أنه لا بد لأي مشاهد مهما بلغت مستويات ثقافته وادراكه الا ان يعجب بهذا الخيال العلمي المبهر الذي بلغت تكاليفه أكثر من 160 مليون دولار وصور في ستة مواقع من اليابان لكينيا لمرتفعات الألب السويسرية!أبدع ليوناردو كابريو في تقمصه لشخصية دون كوب المحورية,ذلك اللص المتخصص في غزو الأحلام,وكذلك أبدع كل أبطال الفيلم في الانغماس بأدوارهم بشكل متكامل وبطريقة أخاذة تجعلك تدخل معهم في غيبوبة و مغامرات الأحلام ودون وعي خلال فترة العرض!وحيث بدت فكرة غزو العقول وسبر الاحلام واقعية ومقبولة بفعل السيناريو المحكم المترابط,وهذا هو النجاح بعينه عندما يقنعك صانع أفلام فذ بتقبل هذا الخيال العلمي وكأنه ممكن الحدوث.ويفسر لنا لغز الزمن في الأحلام: فالعشرة دقائق هنا تعني ألأسابيع والشهور,ونفهم أن مقتلك في حلم ما قد يساعدك على اليقظة السريعة المربكة.
يرأس دوم في هذا العمل فريقا جاسوسيا غرضه اقتحام ذهن المدعو فيشر (سيليان مورفي) ابن الصناعي الثري وذلك لزرع فكرة موجهة في ذهن الوريث الوحيد,كما ان الغوص في الأحلام يدخله لتداعيات ترتبط بذكريات عاطفية تخص علاقة دوم مع زوجته المتوفاة وام ولديه الصغيرين (الممثلة الفرنسية ماريون كوتيلارد),مما يفسر له بطريقة نفسية أسرار علاقته المعقدة مع زوجته الراحلة وسبب اقدامها على الانتحار.لا يمكن أن نغفل هنا عن براعة “والي بفستر” في اخراج المؤثرات المذهلة التي صورت في عدة مواقع تتراوح من المغرب لمرتفعات الألب الغارقة في الثلج والجليد,نولان يدخلنا هنا في لعبة دماغية فريدة من نوعها,ويغوص بنا لثلاثة مستويات متوازنة من الحلم واللاوعي,مستخلصا احداثا من كل مستوى,ورابطا كل المستويات بطريقة فذة وخيال خصب لا حدود له,وهو يبدو كمتنبىء بخفايا المستقبل في مجال زراعة الافكار وسرقة الاحلام!وأنا متأكد من أن مختبرات العلم والأبحاث المتقدمة في دول العالم المتقدم تدرس حاليا هذه الامكانات ونحن كعرب ما زلنا غارقون في غيبوبة شبه مزمنة نفتقد فيها للأحلام ألسعيدة.
يخلط نولان أحداث فيلمه الشهير “ميمنتو” (حيث الاحداث تدور للوراء) مع استعراضات فيلمي “باتمان” والفارس الأسود,حيث بقوم دي كابريو وفريقه بالتعاون مع “معمارية ” بارعة بتصميم الأحلام التي يرغب باقتحامها:حيث تتحول الشوارع لجدران أويقتحم قطار ما فوضى السير!وقد يصيبك الدوار الممتع من تداخل وابهار المناظر السيريالية المتتالية والتي تحبس الأنفاس!
لاحظ هنا التركيز المتزايد على موضوع الطاقة وذلك عندما يقرر كوب وفريقه ألدخول الى لاوعي الوريث الصناعي ريتشارد فيشر لتخريب فكرة احتكار الطاقة,كما لاحظنا فكرة البحث عن طاقة بديلة في فيلم أفاتار الشهير وكما أن نفس الفكرة (ايجاد طاقة نظيفة بديلة للنفط) يطرحها بقوة اوليفر ستون في فيلمه الجديد الرائع “وول ستريت”,مما يحفزنا كعرب نفطيين وغير نفطيين لاستغلال مواردنا النفطية في تنمية وتطوير مجمل المجتمعات العربية قبل أن تنفذ ونعود للبداوة والجهل والتخلف,وأن نقنن استخدام هذه الموارد المالية الهائلة ولا نبددها في الفساد وتكديس أسلحة بالمليارات لا نملك مهارات استخدامها خدمة لأهداف الغرب الاسترتيجية والسياسية والاقتصادية!
هذا عمل سينمائي يبدو متكاملا وجامعا, فبالاضافة للاخراج والتمثيل والمؤثرات البصرية هناك موسيقى تصويرية رائعة (يتخللها صوت أديت بياث –مغنية المونولوجات الباريسية الشهيرة–),وأنماط شعرية اسطورية من الطاقة الصاخبة قل وجودها في أفلام الحركة العالمية,كماأن الفيلم يجمع ويطور بطريقة ابداعية مشاهد ممتعة من افلام متميزة كأوديسا الفضاء لستانلي كوبريك,وأفاتار لجيمس كاميرون, ومشاهد حركية سيريالية مدهشة من أفلام مثل ماتريكس وجيمس بوند وباتمان والفارس الأسود.
وبعد هذا فيلم ترغب كمشاهد في أن “تشاهده” مرتين لا لتفهمه فحسب وانما لتعيد تجربة الاستمتاع الذهني والبصري!
*كاتب اردني-فلسطيني
Mmman98@hotmail.com