في نقد برنامج منظمة التحرير الفلسطينية…؟ – حمزة برقاوي

أمين سر الاتحاد العام للكناب والصحفيين ألفلسطينيين

يستند برنامج منظمة التحرير الفلسطينية وسلطة الحكم الذاتي المحدود وكذلك وبدرجات متفاوتة برامج الفصائل الفلسطينية المنضوية في هذين الإطارين إلى مقولات الاستقلال والدولة وحق تقرير المصير وحق العودة . وقد أخذ ترداد هذه المقولات ومنذ أكثر من ثلاثين عاماً نغماً روتينياً دون مراجعة أو إعادة نظر . من هنا وأمام استحفال المخاطر المترتبة على ذلك لا بد من وقفة نناقش فيها مقولات هذا البرنامج ، لعل البعض يستفيق من غفوته وكبوته كي يكتشف أن هذا البرنامج لم يعد له من فائدة سوى إعطاء فرصة للعدو كي يحكم سيطرته على الجزء المتبقي من فلسطين ويؤكد مضمون يهودية ( قومية ) كيانه .

أخذت المعزوفة هذه تواكب البرامج التي شكلت انحرافاً عن ثوابت النضال الفلسطيني المستندة إلى التحرير الذي تبنته الفصائل والتنظيمات بلا استثناء عندما كان معظمها يحمل كلمة التحرير في اسم تنظيمه : منظمة التحرير الفلسطينية – حركة التحرير الوطني الفلسطيني – الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – طلائع حرب التحرير الشعبية – الهيئة العاملة لتحرير فلسطين … الخ .

بدأت المعزوفة مبكراً وقبل أن يشتد عود المقاومة .. وتم عزفها في البرامج المرحلية وفي المبادرات الفلسطينية والعربية والدولية . وقد ساهم السوفييت والبلدان الاشتراكية تحت شعار الواقعية وفي إطار الصداقة والتعاون في قبول الفلسطينيين والعرب هذه المقولات كما وفرت لها الجبهة الديمقراطية والأحزاب الشيوعية أصداءً واضحة .

ثم أخذت المعزوفة تتكرر حول ضمان الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني بما في ذلك حقه في تقرير المصير وانشاء دولته المستقلة واحياناً تضاف عبارة وعاصمتها القدس الشريف لمزيد من التعمية وبت الاوهام .

هذه المعزوفة التي تبنتها رسمياً القيادة الفلسطينية المتنفذة تنطلق علمياً من الاعتراف بوجود (اسرائيل) وحقها في الوجود بل وتسعى كما ( عرضته هذه القيادة ) في إطار مؤتمر جنيف الذي انعقد عقب حرب تشرين إلى ما يلي :

  1. إنسحاب ” اسرائيل ” من الاراضي التي احتلها عام 1967 .

  2. تحقيق الأمن لكل دول المنطقة بما فيها (اسرائيل) ..

  3. إنهاء حالة الصراع بين العرب و ” اسرائيل ” أي تحقيق السلام في المنطقة .

إلا أن (اسرائيل) لجأت إلى اسلوبين اتبعتهما في كل المراحل ألا وهما خلق وقائع جديدة على الأرض كاحتلال أراضي جديدة غير التي خصها بها قرار التقسيم أو بناء مستوطنات جديدة بعد اتفاقات اوسلو . أما الاسلوب الثاني ( طالما أنها تملك القوة ) فيتمثل باللجوء إلى المناورات والصياغات الملتبسة والمراوغة وبالتالي الاستعانة بالتفسيرات المختلفة .

هكذا لجأت لمواجهة شرط الأمم المتحدة لقبولها عضواً فيها الموافقة على القرار 194 ، لجأت إلى هذا الاسلوب فحاججت بأن القرار يسمح بعودة من يريدون العيش بسلام ، إذن لا بد من احلال السلام بين (اسرائيل) والدول العربية قبل البدء بتنفيذ العودة التي رفضت أيضاَ الاعتراف بها وفق التفسير المنطقي للقرار رقم 194 . استدرجت العرب مستفيدة أيضاً من رؤية الاردن المختلفة عن رؤية بقية الدول العربية للاعتراف ضمناً باعتبار قرار التقسيم أساساً للنقاش .وقد أخذت بعض  الدراسات الحديثة تتحدث عن استعمار ” اسرائيل ” للضفة الغربية وقطاع غزة من خلال احتلالها لهما وان من حق الفلسطينيين في هذيه المكانين المطالبة بحق تقرير المصير . هكذا ورغم افتراض حسن النية لمن يعدون هذه الدراسات ، إلا أن المطالبة بتطبيق حق المصير من الكيان المغتصب تعني ضمناً الاعتراف بشرعيته وتصب في خندق التسوية . الاشكالية الأخرى المرتبطة بهذا الموضوع تتعلق بمن يحق لهم الاستفتاء على مصيرهم . الثابت الوطني الفلسطيني يؤكد على وحدة الشعب الفلسطيني بغض النظر عن أماكن تواجده ودون الالتفات إلى الهوية التي يحملها . إن أية محاولة لتجزئة هذا الشعب تبقى محاولة مدانة ان لم تكن مشبوهة .

إلا أنه ورغم التنازلات التي قدمتها المبادرات العربية والفلسطينية والسوفيتية في هذا المجال فقد ألقت السياسية الاميركية (الاسرائيلية) عرض  الحائط بكل هذا واتجهت نحو سياسية الخطوة خطوة الكيسنجرية ، نحو مصر فكانت اتفاقات كامت ديفيد وما حملته من نتائج كارثية على صعيد تماسك الجبهة العربية .

بهذا حقق المشروع الصهيوني – مدعوماً بسياسة القيادة الفلسطينية المفرطة وبسياسة الدول العربية الميالة نحو التسوية والاصدقاء السوفييت، تخلي العرب عن إزالة (اسرائيل) وتحرير فلسطين مقابل وعود واحاديث وهمية عن حقوق لا تسمن ولا تغني عن جوع . لهذا نتساءل ؟ عن أي حق تقرير للمصير يتحدثون . حق تقرير المصير الذي بدأت بوادر الحديث عنه أثناء الثورة الفرنسية ثم في مبدأ مونرو واخيراً في أحاديث الرئيس الاميركي ولسون (1914 ) يتحدث عن حق الشعوب الخاضعة لاستعمار أو هيمنة بلد آخر بأن يتم استفتاؤهم بشأن مستقبلهم . هذا الأمر كان من الممكن أن ينطبق على الفلسطينيين عندما كانوا في عشرينات القرن الماضي وثلاثينياته تحت الانتداب . أما بعد ذلك فقد تغيرت الجغرافيا البشرية والاقتصادية والسياسية . لقد قام كيان جديد اغتصب الأرض وهجّر السكان وأحلّ عوضاً عنهم سكان جدد من اقاصي بقاع الأرض ضمن مشروع استعماري استغل المسألة اليهودية الأوروبية لتنفيذه على الأرض .

فحين يتم الحديث عن حق تقرير المصير ممن يعترفون بوجود (اسرائيل) فانما يعني حديثاً في الهواء إلا إذا كانوا يريدون أن يستفتي الشعب الفلسطيني ليستجدي ممن احتل أرضه وهجر سكانها العرب فيما إذا كان هذا المغتصب يمنحه حق إقامة دولة على الأرض التي إحتلها عام 1967 !

حينما طالب العرب بحق تقرير المصير كانت أوضاع فلسطين تختلف عما هو قائم اليوم بل إن التشكيك في انطباقه على الوضع الفلسطيني قد بدأ عندما تم تضمين تقرير اللجنة العسكرية البريطانية التي حققت في اضطرابات عام 1940 القول بأن وعد بلفور جرد الفلسطينيين من حقهم في تقرير مصيرهم .

أما اليوم فقد طرأت كما أشرنا ، تغيرات جوهرية وأساسية سواء بالنسبة لمفهوم حق تقرير المصير أو بالنسبة لواقع الفلسطينيين خاصةً .

وعندما تم إلحاق الضفة الغربية الفلسطينية بالأردن ومنح مكانها الفلسطينيين الجنسية الاردنية انتقل هؤلاء إلى وضع قانوني سياسي جديد فلم يعودوا من الناحية القانونية ممن ينطبق عليهم حق تقرير المصير فقد أصبحوا مواطنين اردنيين ولم يعد أهل فلسطيني يقررون مصيرها خاصة بعد سريان معاهدة التحالف بين الاردن وبريطانيا على الاراضي الفلسطينية ( الضفة الغربية ) .

يتحدث القانون الدولي بشكل عام عن حق تقرير المصير إلا أن تحديد مفهوم واضح بشأنه أمر لم يتم الاتفاق عليه بحيث تتعدد الاجتهادات بين فقهاء القانون الدولي كما تتعدد النظرات بين الشعوب والدول التي يعنيها هذا الحق وبهذا لم تستقر في القانون الدولي القواعد والحالات التي يمكن أن يطبق عليها وعلى أساسها هذا الحق .

ميثاق الأمم المتحدة يشير إلى أن إقامة علاقات الصداقة بين الأمم يجب أن تتم على أساس الاحترام والمساواة وحق تقرير المصير .

وقد سبقت ذلك إشارات سواء في ميثاق الاطلسي المنعقد بتاريخ 14/8/1941 والموقع من قبل ما يزيد على أربعين دولة قبل صدور ميثاق الأمم المتحدة أو بالنسبة لبيان واشنطن الصادر بتاريخ 1/1/1942 الذي وافقت عليه ست وعشرون دولة .

إن النقاط الاربعة عشر الشهيرة التي اقترنت باسم الرئيس الاميركي ولسون والتي كان لها أثر كبير في تحديد سياسات الدول والشعوب عقب الحرب الأولى ، لم تتضمن صراحة النص على حق تقرير المصير بقدر ما جاءت النصوص المتعلقة بهذا الحق في تصريحات ولسون أمام الكونجرس وبالذات في القواعد الأربعة المهمة لتحقيق السلام . ولكن تطبيق هذا المبدأ قد تأثر تأثراً كبيراً بموازين القوى وبمصالح الدول المنتصرة ، ففي مؤتمر فرساي تم بالنسبة لنا العرب ورغم الوعود المتكررة للشريف حسين ، السعي لتمزيق الوطن العربي . فتقلصت الدول العربية الموعودة إلى حدود ضيقة داخل الجزيرة وحرمت سوريا الكبرى من ممارسة هذا الحق بتطبيق الانتداب عليها مجزأة أي حرمانها حتى من الاستقلال ، كما تضمن الانتداب على فلسطين تضمين بنوده مهمة تنفيذ وعد بلفور .

أما التحديد الأبرز فقد جاء في بيان الدورة الخامسة عشرة للأمم المتحدة الذي نص على منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة بما في ذلك حريتها بتقرير نظامها السياسي وممارسة تطورها السياسي والاجتماعي والثقافي .

في معاهدة يوتسدام المعقودة في الأول من ثم آب 1945 أي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية تم تحديد المبادىء الاساسية لكفاح الشعوب ضد النازية وتضمنت فيما يتعلق بألمانيا المهزومة أن من الضروري ايجاد الشروط اللازمة لتأمين حق الشعب الالماني في تقرير مصيره . الأمر الذي خضع للتطورات التي انتهت بوجود دولتين المانيتين لكل منهما سياستها الخاصة ووجهة نظرها فيما يتعلق بالقضايا الدولية بما في ذلك القضايا المتعلقة بمفهوم حق تقرير المصير ذاته وكذلك الأمر بالنسبة لبقية شعوب العالم فقد انعكس مفهوم هذا الحق وتطبيقاته حسب الأوضاع السياسية التي وجدت هذه الشعوب نفسها فيها أو يحسب موازين القوى الدولية التي استعانت بهذه المقولة بتطبيق ما تبتغيه من أهداف لينين نفسه حين تحدث عن حق تقرير المصير قال ان حق الأمم في تقرير مصيرها يعني حق الأمم في الاستقلال بالمعنى السياسي وفي حرية الانفصال لأن هذا الحق شرع أساساً كي تستفتي الشعوب الرازحة تحت الانتداب أو الوصاية او الاستعمار فيما إذا كانت ترغب باستقلالها أم بقائها تحت الاستعمار . لم يكن هناك كما اسلفنا اتفاق واضح لا من الناحية القانونية ولا من الناحية السياسية على اسس تطبيقه فقد أخذ تطبيقه أو الاستعانة به اشكالاً مختلفة سواء بالنسبة لمشاكل شعوب البلقان أو بالنسبة لكندا ومسألة كويبك مروراً بمشكلة كشمير وغيرها من قضايا الشعوب والأمم والدول .

تاريخ هذا الحق (مفاهيمه وتطبيقاته) بالنسبة لنا نحن العرب ، تاريخ أسود . فكلنا يعرف كيف اقترن سلخ لواء الاسكندرون بالادعاء بممارسة هذا الحق من خلال تنظيم استفتاء مزوّر ملفق بكل ما تعنيه هذه الكلمة مروراً فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وانتهاءً بما جرى في السودان ، لا نستطيع القول بأن ما جرى هو تطبيق قانوني سليم لأحد مبادىء القانون الدولي .

في تقديري أن المجتمع الدولي والدول العربية والفلسطينية سيحتاجون إلى عقود من الزمن كي يتم الاتفاق بينهم على مفهوم محدد لحق تقرير الفلسطينيين لمصيرهم . هناك قضايا أقل أهمية وهناك قضايا مثل قضية الجدار أو إقامة المستوطنات لم تحظ بحلول رغم مرور عشرات السنين فكيف بقضية مثل قضية حق تقرير المصير التي لا اتفاق أصلاً على تطبيقها مطروحة الآن على جداول المفاوضات مضى على وجودها في جداول الأعمال لمدد تتجاوز الثلاثة عقود دون اتفاق ، فكيف بقضية مثل قضية حق تقرير المصير ؟!

هناك الآن عشرة ملايين فلسطيني موزعين على اصقاع واسعة من الأرض ، 40 % منهم فقط موجودين على أرض فلسطين أم الباقون فخارجها ويخضعون لخيارات مختلفة . إن فسح المجال أمام هؤلاء لاستفتائهم بشأن مصيرهم رغم عدم امكان تحقيقه إلا أنه يعني عملياً إزالة الكيان . فهل سيسمح هذا الكيان بعودة هؤلاء إلى أرضهم كي يمارسوا عملية استفتاء ستفضي للإطاحة به .

لنكن واقعيين ولنبتعد عن العبث ، فلسطين محتلة ولا سبيل لازالة الاحتلال سوى المقاومة والتحرير .

وعندما نصل إلى شعار الدولة تبدو لنا المسالك أكثر وعورة بل يكاد يكون الطريق مسدوداً . (اسرائيل) ترفض الدولة الديمقراطية ومن ثم الدولة ثنائية القومية وتتمسك بشعارها بانها دولة يهودية ( قومية ) فماذا يعني حل الدولتين ؟ هذا الحل الذي أُفرغ عملياً من محتواه .

فحتى لو سلمنا بحل تستند إلى اقامة دولة فلسطينية وفق رؤية حل الدولتين فسيكتشف المرء أن إقامة دولة فلسطينية أصبح شبه مستحيل . فالضفة الغربية التي من المفترض أن تكون جغرافيا الدولة قد أصبح الفلسطينيون يعيشون فيها ضمن معازل تضيق يوماً بعد يوم بفعل سياسة الاستيطان وشق الطرق وبناء الجدران العازلة . وإذا ما اضفنا إلى ذلك الارتباطات الاقتصادية والخدماتية للضفة ب(اسرائيل) وكذلك إفقادها المستمر لأية مقومات استقلالية ، يتبين لنا هشاشة هذا الشعار بل واستخدامه كمصيدة لمزيد من  التنازلات .

وإذا عدنا إلى بدايات تسربه فاننا سنكتشف وبكل بساطة إن الأمر قد تم في مرحلة التراجع .

فمع تراجع قوى الثورة العربية انقلبت القيادة المتنفذة على ثوابتها وعلى مركزية القضية الفلسطينية ، وفي جو العجز ساد الوهم فالوهم يتولد من رحم العجز . فحينما يكون الانسان عاجزاً أو مهزوماً تتقاذفه الاوهام فكيف إذا كانت هذه الأوهام قد تمت صياغتها على شكل مصطلحات براقة وبصورة مسبقة كي تخدم هدف الاستسلام للعدو وتمكينه من الاستيلاء على ما تبقى من فلسطين ؟

وفي مثل هذه الحالات لا شيء يأتي عفو الخاطر .

عوضاً عن هدف التحرير تسرب مصطلح الدولة ومشتقاته كي يصبح الهدف . دولة تحت الاحتلال ؟ أم دولة برضاء الاحتلال ؟ دولة على جزء من فلسطين مقابل التنازل عن الجزء الآخر ؟ .. إلخ ما هي هذه التراهات ؟ سراب يركضون وراءه أم ضلال ؟

لهذا يبدو الحديث عن ” الدولة المستقلة ” دون أرض مستقلة تقام عليها هراء والحديث عن القدس الشريف دون التحلي بالشرف وبالمروءة  والغيرة عليها وعلى مقدساتها انتهاك للقيم وانعدام الشرف .

بعد هذا نصل إلى الحديث عن حق العودة .

يشكل التمسك بحق العودة أحد مقومات استمرار النضال نحو تحرير فلسطين ودليل على بطلان أية سياسات استسلامية تنقص من هذا الحق بما في ذلك الاتفاقات الباطلة التي عقدت باسم الفلسطينيين كاتفاق اوسلو وملحقاته وكذلك عدم شرعية المبادرات سواء الفلسطينية او العربية التي لم تنص صراحة على التمسك بهذا الحق .

كما يبدو من الملاحظ إنحسار الحملات الشعبية الفلسطينية والعربية والدولية الداعية إلى التمسك بحق العودة . بل كانت ردود الفعل تجاه السياق التنازلي عن هذا الحق ضعيفة ولا تتناسب مع ما تقتضيه من رفض واستنكار .

لهذا فإن الواجب الوطني يستدعي القيام بحملات تدعو إلى التمسك بالحق والدعوة إلى إحياء شعارات العودة مثل شعار ” عائدون ” و ” سنعود ” محمولين على حقنا في المقاومة من أجل تحقيقها أي ربط العودة بالنضال كما أسلفنا من أجل تحرير فلسطين .

بل أكثر من ذلك فإن تفاهمات كامب ديفيد قد استندت إلى وثيقة أبو مازن –بيلين بهذا الشأن التي تتضمن حل مشكلة اللاجئين على أساس التأهيل والتعويض ولم شمل العائلات وليس على أساس العودة الشاملة بمعنى أن المفاوض الفلسطيني تخلى عملياً عن حق العودة مستبدلاً ذلك بحقوق اللاجئين وبالتالي فإن المشكلة بالنسبة للمفاوض الفلسطيني أصبحت مشكلة انسانية وليست من ثوابت النضال الفلسطيني .

في هذا  السياق التنازلي عن حق العودة جاءت مبادرة بيروت العربية 2002 التي اجهزت بالتالي على مفهوم حق العودة كحق طبيعي عندما اسقطته نهائياً من بنودها هذا كما ان التجاذبات بشأنه قد أضعفت قوته القانونية الدولية .

فمن جهة وعندما اشترطت الأمم المتحدة لقبول (اسرائيل) عضواً فيها موافقتها على القرار رقم 194 تم من قبل قانونيي الأمم المتحدة اعتبار أن المذكرة التي قدمتها (اسرائيل) تنفيذاً لهذا الشرط كانت كافية لاعلان موافقة (اسرائيل) على القرار ضمن شروطها ورؤيتها وقد تكرس نهج التنازل هذا عندما تقدمت منظمة التحرير بطلب عضوية فلسطين في الأمم المتحدة فإن الطلب تحدث عن تسوية عادلة لقضية اللاجئين وفقاً للقرار رقم 194 ولم يتحدث عن حق العودة في إطار متكامل أي العودة إلى فلسطين كل فلسطين وليس إلى ما يسمى ” الدولة الفلسطينية ” الموهومة فقط ولعدد محدود في إطار لم شمل العائلات. إن الحديث عن عودة هؤلاء المهجرين يتم أيضاً في وقت لا تحرك السلطة فيه ساكناً واتخاذ ما يلزم لوقف هجرة المقيمين فعن أي حق للعودة يتحدثون ؟! . وبالتالي فإن قبولها أي الأمم المتحدة انضمام (اسرائيل) إلى عضويتها يعني عملياً الموافقة على شروط (اسرائيل) بهذا الشأن التي رفضت عملياً وقانونياً الاعتراف به كأساس للعودة وفق المفهوم العربي له .

من جهة أخرى فقد قدم العرب وقيادة منظمة التحرير نفسها القرار ضحية على مذبح مؤتمر مدريد واتفاقات اوسلو وغيرها عندما اعتبرت أن أساس تفاوضها مع (اسرائيل) هما القرارين 242 و 338 وبالتالي استبعاد القرار رقم 194 كمرجعية .

التمسك بحق العودة هو أحد أشكال النضال بما في ذلك الاستعانة بالمبادىء القانونية الدولية وغيرها التي نصت على إحترام هذا الحق .

وإن تكاثر اللجان المطالبة بالتمسك بهذا الحق وبخاصة بعد اتفاقات أوسلو رفضاً ضمنياً لهذه الاتفاقات وللمفاوضات والمبادرات التي تلت توقيع تلك الاتفاقيات . لكننا وأمام تعثر تطبيقه لا بد لنا من نظرة نقدية تضع الأمور في نصابها دون أوهام أو أماني .

لقد وجدت بعض هذه اللجان في قرار الأمم المتحدة رقم 194 لعام 1948 أرضية يستعين بها للتأكيد على الشرعية الدولية لحق العودة بينما طالب بعض هذه اللجان بتطبيقه .

من هنا أصبح من الضروري قراءة نص القرار بعناية ، وعدم التورط من خلال قراءة ديباجته فقط في متاهة لا تحقق ما يصبو إليه المتمسكين بحق العودة .

فالعودة المنصوص عليها في ذلك القرار مرهونة بالاعتراف بالكيان الصهيوني الذي بيده حيثيات تطبيق العودة بما يلغي تحقيقها عملياً بل وبتشويه مضمونها .

وفي السياق المنطقي لمن يعرف سياسة الكيان الصهيوني العدوانية التوسعية العنصرية ، لا بد من معرفة أن هذا الكيان لن يقبل بتطبيق الحد الأدنى لما ينص عليه القرار . فهذا الكيان يعرف أن عودة اللاجئين الفلسطينيين تعني عملياً انتهاء الصفة اليهودية للكيان لأن عدد اللاجئين العائدين سيكون أكبر من عدد اليهود . يتجاهلون بالتالي حقيقة الكيان وصهيونية كقاعدة موظفة في خدمة الامبريالية كما أن الكيان الذي يطالب الآن بالاعتراف به كدولة يهودية والذي رفض سابقاً ولو على صعيد نظري افكار الدولة الواحدة وحل الدولتين أو الدولة ثنائية القومية ، لن يقبل بأي حال من الاحوال الأخذ بحق العودة .

لهذا نؤكد بأن أي طرح لحق العودة بمعزل عن معركة التحرير وخارج برنامج المقاومة لا يعدو عن كونه ذراً للرماد في العيون بل وفي أحسن الأحوال جزءاً من نشاط دعائي إعلامي .

المطلوب هو العودة من خلال التمسك بحقنا فيها لكن تحقيقها لن يتم إلا في إطار برنامج المقاومة والتحرير .

في نهاية الأمر إن أي برنامج يقوم أو ينطلق من الاعتراف بحق (اسرائيل) في وجودها على الأرض العربية في فلسطين سواء تحت مسمى حق تقرير المصير أو الدولة المستقلة .. الخ لا يعدو عن كونه يصب في البرنامج الصهيوني – الاستعماري مكرساً وجود (اسرائيل) بالهاء الفلسطينيين بشعارات لا طائل تحتها ولا يمكن تحقيقها وهذا ما اثبتته السياسة الواقعية التي تمارسها (اسرائيل) في الأراضي التي احتلتها عام 1967 . هذه القناعة تنطبق رغم أهمية وضرورة الابقاء على شعار العودة ، على من يطالبون بالعودة بالاستناد إلى القرار رقم 194 . ذلك أن هذا القرار أيضاً ينطلق كما اسلفنا من وجود (اسرائيل) وأن حق العودة المقر بموجبه يتطلب أولاً الاعتراف بوجود (اسرائيل). فالعودة لا تتم بالشعار ولا بالقرار بل ضمن إطار معركة التحرير ، تحرير فلسطين ، كل فلسطين.

 

حمزة برقاوي

اترك تعليقاً