جميل الزين، جميل الصفصاف وفلسطين – نضال حمد

اليوم الواحد والعشرون من نيسان – ابريل 2021 تحل الذكرى السنوية الأولى لغياب الزين جميل، أبو اسماعيل حمد، الأب والوالد والأخ والرفيق والصديق… جميل حمد هو بمثابة العم والخال والجار والمختار والشخص الكريم، الطيب، الشجاع، المقدام والمعطاء، صاحب الشهامة والنخوة والأمانة… صاحب الكلام المسلي والنكتة الأجمل والكلمات المعبرة والعبارات البسيطة، السهلة الممتنعة. الشخص السريع الحزن والبكاء، دموعه على تصعد من قلبه لتسيل من عينه.. الرجل العطوف والرؤوف والمحبوب من كل معارفه وأقاربه وجيرانه وخلانه… الرجل الجريئ والشجاع الذي كان مثل قبطان السفينة التي انقذت الكثير من البحارة من الغرق في بحر بيروت العاصف بعد مجزرة صبرا وشاتيلا سنة 1982.

اليوم ذكرى وفاة سفير الصفصاف ومخيمات الجنوب وعلى رأسها مخيم عين الحلوة، سفيرنا في بيروت ومخيم شاتيلا وعميد سفراء العائلة في العالم أجمع. سفير عائلتنا حمد في العاصمة التي شهدت حصارا طويلا استمر نحو ثلاثة شهور متواصلة، شهور من القصف والموت والدمار، تكللت بمذبحة العصر في مخيمي صبرا وشاتيلا.

كان يعودني في مستشفى اللاهوت العسكري بداية إصابتي وكنت في وضع صحي مزري وخطير جداً، وكنت أفقد الوعي ثم أعود لوعيي، أذكر مرة أنه زارني وتحدث معي لا أدري ماذا قلت ولا أذكر ما قاله لي. في اليوم التالي صحوت من غيبوبتي فوجدت بعض التفاح على طاولة قرب سريري. علمت أنها من العم أبو اسماعيل، وعلمت فيما بعد أيضاً أنني أنا نفسي كنت طلبت منه بعض التفاح ولكنني لا أذكر ذلك.  بعد اللاهوت تم نقلي الى الجامعة الأمريكية حيث كنت على شفير الموت بسبب الغارغارينا التي غزت ساقي المبتورة.

جميل الزين أو جميل فلسطين هو كان صاحب الدار التي آوتني وآوت أصحابي ورفاقي يوم أصبت بعد مجزرة صبرا وشاتيلا سنة 1982. هو صاحب الدار التي لم تكتفِ بأيوائي أنا ورفاقي وأصدقائي فقط لا غير. ومنهم العراقي والسوري والفلسطيني واللبناني من فدائيي الثورة وجبهة التحرير الفلسطينية، من رفاق القائد طلعت يعقوب. تلك الدار التي تشبه فلسطين الكاملة آوت الكثيرين من مخيمنا عين الحلوة، يعرف ذلك أولائك الأصدقاء الذي عاشوا التجربة تلك. كما ويعرفها كل من زارني وزارههم في منزل العم أبو اسماعيل في ذلك الزمان الصعب.

العم أبو اسماعيل مع زوجته الراحلة، أمنا كلنا، أم اسماعيل حمد وعائلتهما كانوا العنوان في ذلك الزمان، وكانوا المكان المنير وربما الوحيد في عصر الظلمات والعذاب والمجازر والاحتلال وتقطع السُبُل بالرفاق والشباب. كانوا محطة للقادمين من مخيمات الجنوب ومن البقاع والجبل والشمال ومن بلدان اللجوء والمهجر والاغتراب. هناك توحد مخيم عين الحلوة وتوحدت المخيمات وتعززت وحدة الصفصاف، التقى الجميع بالجميع وتعاهدوا على المضي قدماً لأجل تحرير عين الحلوة وبقية المخيمات من رجس الاحتلال.

سوف أذكر بعض أسماء الأحياء الذين مروا على دار أبي اسماعيل منذ 1982 وحتى منتصف ثمانينيات القرن الفائت. وسوف أذكر أيضاً أسماء الشهداء والأموات الذين كانوا هناك أو مروا من هناك أو اعتادوا على زيارتي خلال شهور اقامتي بعد اصابتي بالجراح..  أو كانوا مروا من هناك بعد سفري لتلقي العلاج في الخارج.

سأذكر الأسماء التي أتذكرها: الراحلون والشهداء والمفقودين: وائل الخطيب، أحمد حسين، أحمد طه، خالد سرية، باتريس شاتيلا، ضرار بدر، منير السعدي، زاهر السعدي، عامر خليل، السوري أبو حسن مضغوط، أبو صطيف العراقي، هدى خريبي، جميل زيدان، محمد أيوب، عبد زيدان…

أما أسماء الأحياء فسوف أكتفي ببعضها فقط لا غير ومنها: خالد حليحل، خليل زيدان، جهاد ورد وحسن أزدحمد وفيما بعد طارق حمد وعامر خليل وابراهيم الشايب وجمال حمد وآخرين. فهؤلاء كلهم  يتذكرون جيداً تلك الأيام الصعبة، لكن الجميلة، التي عشناها سوية في شاتيلا وكنا نلتقي فيها يومياً، في بيت العم أبواسماعيل، حيث كنت أقيم في غرفة مع الصديقين خالد ووائل منذ خروجي بعد العلاج من مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت. وهناك صديقات وأخوات ورفيقات لا داعي لذكر أسماءهن.

في يوم خروجي من الجامعة الأمريكية كُنا محتارين الى أين نذهب وأين نتجه في عاصمة تقع تحت احتلال عصابات الفاشي المقبور بشير الجميل وشقيقه الذي أصبح رئيساً أمين الجميل. في ذلك الوقت قام الرفيق علي عزيز – أبو باسل – أحد قادة جبهة التحرير الفلسطينية بتأمين غرفة لنا في أحد الفنادق لليلة واحدة وكان علينا مغادرتها في الصباح بسبب الاعتقالات التي كان يقوم بها جيش آل الجميل اللبناني. تم حل مسألة الأقامة من قبل العم أبو اسماعيل الذي استضافنا في منزله في مخيم شاتيلا.

العم أبو اسماعيل سيبقى مدى الحياة جزءاً جميلاً وأصيلاً من حكايتي مع الزمن ومع الموت والحياة ومع مخيمي صبرا وشاتيلا. كذلك العمة الراحلة أم اسماعيل وبقية أفراد العائلة. لهم جميعهم المحبة والتقدير والشكر والسلام والتحية والمودة الدائمة. وللعم والعمة المجد والخلود والذكرى العطرة.

نضال حمد

21-4-2021

جميل الزين، جميل الصفصاف وفلسطين – نضال حمد