قراءة في الانتخابات التركية- منير شفيق

من 7 حزيران/يونيو إلى 1 تشرين الثاني/نوفمبر تغيّرت معادلات القوّة البرلمانية للأحزاب السياسية، في تركيا، وذلك في ضوء النتائج التي أفرزتها صناديق الاقتراع في كل من التاريخين المذكوَريْن أعلاه.

وكان المتغيّر الأهم هو حصول حزب العدالة والتنمية على نسبة 51% من الأصوات. مما شكّل قفزة بحوالى إحدى عشرة نقطة في المائة عن الانتخابات السابقة قبل خمسة أشهر. وقد أعادته هذه الزيادة إلى تشكيل حكومة منفردة إذا شاء. وهو ما كان عليه الحال منذ العام 2002.

لقد حدث التغيير الكبير خلال الخمسة أشهر الممتدة من 7 حزيران/يونيو إلى 1 تشرين الثاني/نوفمبر إذ انقلب موقف 11% من الناخبين ليقترعوا في مصلحة حزب العدالة والتنمية بالإضافة إلى 40% الملتزمة به. أي على العكس من موقفهم في الاقتراع السابق الذي جاءت نتائجه ضربة قاسية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس وزرائه أحمد داوود أوغلو. بل لحزب العدالة والتنمية جملة.

الأمر الذي يطرح السؤال: ماذا حدث خلال الخمسة أشهر العتيدة هذه حتى تغيّر موقف أولئك الناخبين من التوزّع بين الأحزاب المعارضة ومن بينها بعض الاحجام عن المشاركة، إلى أن تصبّ في مصلحة حزب العدالة والتنمية؟

عجّتِ الخمسة أشهر المذكورة بمجموعة تطوّرات راحت تتهدّد تركيا بالفوضى واتسّاع العنف، والحرب مع حزب العمال الكردستاني من جديد، في ظل أزمة حكومة خانقة. وتدهور سعر الليرة وتراجع للنمو الاقتصادي. ثم العجز عن وجود بديل لحزب العدالة والتنمية من قِبَل أحزاب معارضة لا تستطيع أن تأتلف، لا مع نفسها ولا معه، ولو كان على حساب خراب تركيا.

    هذه الصورة الراعبة بالنسبة إلى تلك الفئة من الناخبين التي تشكل ما بين 10% إلى 15% تركت أثرها فيها، وهي التي غيّرت مواقفها في الانتخابات السابقة إلى ما حدث من تغيير في نسبة المقترعين في مصلحة حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة.

       في فترة الخمسة أشهر العتيدة المذكورة لم يُحدِث أي من الأحزاب تغييراً في سياساته الخارجية أو الداخلية عدا اشتداد حدّة الصراعات في ما بينها، وعدا ما يُقدّم عادة من وعود.

       وكان من الجديد بالنسبة إلى حزب العدالة والتنمية تقدّمه بمرشحين في هذه الجولة يمكن اعتبارهم أقوى بالعموم من مرشحيه في الجولة السابقة. وذلك نتيجة تغيير القانون الداخلي في الحزب الذي كان يحظر الترشح لأكثر من دورتين. الأمر الذي يساعد على التجديد (شكلياً عموماً). ولكنه يُضعف المستوى الشعبي بالنسبة إلى المرشحين حين تكثر بينهم الوجوه الجديدة غير المعروفة وغير المُجرَّبة.

هذا العامل بالتخلص من قانون داخلي كانت سلبياته أكثر من إيجابياته عموماً، ومن ثم التقدّم بمرشحين أكثر قبولاً شعبياً، يجب ألاّ يُعطى الأهمية الأولى بالنسبة إلى ما حدث من تغيير. وذلك مع اعتباره مساعداً إلى حد ما.

إذا كانت السياسات الخارجية والداخلية بقيت على حالها تقريباً خلال الخمسة أشهر المذكورة فإن الدور الذي لعبته في نتائج هذه الجولة الأخيرة من الانتخابات كان أقل أهمية بكثير من الدور الذي لعبته في نتائج الجولة السابقة من الإنتخابات. وذلك بمعنى أن العامل الأهم الذي يجب أن يُشار إليه في هذه الجولة إنما هو تلك الصورة الراعبة التي تشكّلت إثر، وبسبب، نتائج الانتخابات السابقة. وبالطبع المقصود هنا التأثير في تلك الفئة المؤلفة من 10 إلى 15% من الناخبين. أي عدا الناخب الملتزم بولاء قوي لكل حزب من الأحزاب. وقد شذّ، هنا، حزب الحركة القومية الذي خسر نصف ناخبيه السابقين. فقد اهتز من مواليه الملتزمين، بصورة خاصة. ولكن تفسير ذلك غير ذي أهمية أساسية بالنسبة إلى ما تريد الوصول إليه هذه القراءة.

كيف يفسّر الدور الأساسي والحاسم الذي لعبته تلك الصورة، بجملتها، للوضع الذي ساد في تركيا خلال الخمسة أشهر المذكورة. مما أحدث فيها ذلك التغيير الهام والنوعي بين الاقتراعيْن؟

 عندما يقول رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو أن الشعب التركي اختار الاستقرار في هذه الانتخابات فهو يؤكد، بصورة غير مباشرة، على أن الأوضاع التي نشأت عن حرمان حزب العدالة والتنمية في الانتخابات السابقة من القدرة على أن يُشكّل حكومة منفردة، أو أن تتشكل حكومة ائتلافية تحول دون غرق البلاد في فوضى وأزمة خانقة إن لم تهدّد بأسوأ من ذلك، هي التي أقنعت الناخبين الذي لم يصوّتوا لحزب العدالة والتنمية في الجولة السابقة ليغيّروا رأيهم ويعودوا لدعمه. وذلك لسبب أساسي هو الخوف من الفوضى والأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية أو ما أسوأ من ذلك. أي هو اختيار الاستقرار وإعادة إعطاء الفرصة مرّة أخرى لحزب العدالة والتنمية لقيادة البلاد كما فعل في الدورتين. فخيارهم يشبه بالنسبة إليهم الخيار بين “شرّيْن” أحدهما أشدّ من الآخر,

 يعني أن على قيادة حزب العدالة والتنمية أن تُواصل تقويم سياساته الخارجية والداخلية التي أدّت في الدورة الثالثة من تفرّده بالسلطة إلى النتائج الإنتخابية الفاجعة بالنسبة إليه في 7 حزيران/يونيو 2015. ومن ثم الانطلاق في تقويم النتائج الأخيرة في 1 تشرين الثاني/نوفمبر بأنها صبّت في مصلحته ليس نتاج سياسات إيجابية انتهجها خلال الخمسة أشهر بين الدورتين الانتخابيتين الأخيرتين، وإنما بسبب محصلة معادلة تشكّلت إثر نتائج الانتخابات السابقة في 7 حزيران/يونيو وضعت الناخب الذي غيّر في النتائج في مصلحة حزب العدالة والتنمية هو الاختيار بينه (على أمل الاستقرار وعودة الازدهار) وبين الأسوأ والأخطر على تركيا إذا ما دبّت الفوضى وتفاقمت صورة الوضع الناشئ بعد الانتخابات في 7 حزيران/يونيو.

   ومن ثم تكون الحاجة ماسّة إلى تبني سياسات خارجية وداخلية تكون أكثر مناسبة لما استجدّ من موازين قوى ومعادلات على المستويين العالمي والإقليمي ولا سيما بعد التدخل العسكري الروسي في سورية، كما لما استجدّ من اتجاهات في الرأي العام الداخلي بين 2011 و2015 أدّت إلى نتائج انتخابات 7 حزيران/يونيو 2015. وهي التي يجب ألاّ تُنسى بالنسبة إلى حزب العدالة والتنمية لأهميتها في صوْغ سياسات المرحلة الجديدة ليس للأربع سنوات القادمة فحسب، وإنما أيضاً للثماني سنوات القادمة. وهو بالتأكيد طموح حزب العدالة والتنمية عموماً، وطموح رجب طيب أردوغان خصوصاً: كما طموح الناخب التركي الذي التزم بحزب العدالة والتنمية بسبب التجربة الناجحة معه في الدورتين الأولى والثانية من 2002 إلى 2010. أما الدورة الثالثة فهي التي جاءت بنتائج انتخابات 7 حزيران/يونيو 2015.

اترك تعليقاً