محمود الصيني في ذكراه التاسعة – نضال حمد

عاش ومات قريبي وصديقي محمود الصيني وهو عزيز النفس.

المرة الأولى التي التقيت بها مع الحبيب محمود أحمد ديب حمد – أبو هشام – ولم يكن بعد أباً أو متزوجاً، كانت في منتصف السبعينيات من القرن الفائت في مخيم اليرموك قرب دمشق. يومها عرفت أنه الشخص الشجاع والجريء، المعروف للناس في المخيم. الشخص المقيم مع أهله –أقاربي- في منزل بدخلة حسن سلامة، قرب شارع اليرموك، مقابل فرن أبو فؤاد الشهير، عرفت يومها أنه هو “الصيني”… ومن في ذلك الوقت بمخيم اليرموك وعلى شارع اليرموك لم يكن يعرف الصيني. فقد كان أشهر من نار على علم كما يقولون في لغة أهل المخيمات والأحياء الشعبية الفلسطينية والعربية.

ولد محمود الصيني في مخيم اليرموك سنة 1955 ووالده هو العم المرحوم أحمد ديب حمد ابن عم والدي أبو جمال حمد وصديقه منذ كانا كان طفلين، فشابين يلهوان معاً في بلدة الصفصاف وحقولها ومزارعها، ويتسكعان معاً ويصطادان الطيور والعصافير على سفح جبل الجرمق، هذا الجبل حارس الصفصاف وصفد والجليل، المُطِل على جبل عامل في الجنوب اللبناني. والذي يواجه جبل الشيخ في الجولان العربي السوري الذي أحتله الصهاينة فيما بعد كما كانوا احتلوا فلسطين في وقت سابق.

كانت علاقة الصيني مع  والده، العم أبو محمد، متأرجحة ومتقلبة، وأستطيع القول بأنها لم تكن على ما يرام لأسباب عديدة، أهمها الفارق في السن وفي التفكير بين جيلين مختلفين وبين شخصين عنيدين. عرفت ذلك للمرة الأولى عندما استشهد شقيقه، صديقي وأخي هشام، في الحرب الأهلية اللبنانية في بيروت سنة 1981. بعد اصابته خلال قصف مدفعي كتائبي على موقع لجيش التحرير الفلسطيني في منطقة صفير بالضاحية الجنوبية لبيروت.

في ذلك اليوم كنت موجوداً في دمشق برفقة القائد الشهيد طلعت يعقوب أمين عام جبهة التحرير الفلسطينية، خلال انعقاد دورة المجلس الوطني الفلسطيني، الدورة الخامسة عشرة برئاسة الراحل خالد الفاهوم. يومها توجهت الى مخيم اليرموك لزيارة الأقارب فكانت المفاجئة القاسية أنني وجدت نفسي في بيت عزاء للشهيد هشام أحمد ديب حمد، رفيق الأيام الجميلة التي قضيتها في مخيم اليرموك سنة 1976. وكان موجودا هناك كبير العائلة الأستاذ العم قاسم حمد. للأسف ورغم أنني ايضا كنت في ذلك الوقت موجوداً في بيروت لكنني لم أكن أعرف عن استشهاد أخي هشام.

كذلك في ذلك اليوم صعدت مع محمود الصيني الى غرفة عليا كان يقيم فيها وكان حزيناً جداً على استشهاد شقيقه هشام. وأراد أن يعبر عن حزنه من خلال عزف ألحان حزينة على الناي، فهو كان عازفاً جيداً، وعزف خلال فترة من الزمن ضمن فرقة الفنان الشعبي الشهير الراحل أبو عرب. أثار العزف غضب العم أحمد الذي جاء الينا غاضباً وطلب وقف العزف لأنه لا يجوز في وقت الحداد. تطوعت أنا لتوضيح الأمر للعم أبو محمد وبأن هذه هي الطريقة التي يعبر بها “الصيني” عن حزنه على فقدان هشام. لكن تدخلي لم يجدِ نفعاً رغم أنه هدأ الغضب قليلاً.

بعد حصار بيروت والرحيل عنها سنة 1982 وإصابتي في مجزرة صبرا وشاتيلا وعودتي من العلاج الى الشام، أقمت لشهور عديدة في مخيم اليرموك. كنت ألتقي كثيراً بالصيني أو أنام عنده في البيت. كان أخاً طيباً وحنوناً وكريماً وشهماً. جمعتنا أيام وسهرات ولقاءات وأمسيات لا يمكن نسيانها. بعد تلك الحقبة من الزمن عُدنا وأفترقنا من جديد. علمت فيما بعد أن الصيني سافر مع زوجته الى ليبيا حيث بقي هناك لعدة سنوات عمل واشتغل فيها في الجماهيرية الليبية. التقيت بالصيني أكثر من مرة وآخرها قبل وفاته بأشهر قليلة. كان في ذلك الوقت وبعد عودته من ليبيا الى سوريا يعاني من أزمات معنوية ومادية. فهو الرجل الذي لم يحتاج أحداً وكان دائماً مكتفياً ويعيش حياة جيدة جداً بالنسبة لغيره من المعارف والأصدقاء. كان يعيش بعد العودة من ليبيا في ضائقة وقد أسرى لي بذلك ذات يوم.

آخر مرة جمعتني بالصيني في مخيم اليرموك كانت يوم مهرجان تكريم الأسير المحرر، البطل العربي الكبير، المناضل سمير القنطار الذي أقامته جبهة التحرير الفلسطينية قرب جامع الوسيم في مخيم اليرموك. بعد ذلك علمت أن الصيني تعرض لحادث سير أفقده الذاكرة وأقعده. زرته عدة مرات خلال سفراتي وزياراتي الى المخيم والشام قبل اندلاع المؤامرة الكونية على سوريا. كانت آخر مرة زرته فيها في ربيع سنة 2011. أذكر حصول احتجاجات في مناطق سورية بعيدة عن العاصمة مثل درعا ومناطق سكن الأكراد، حيث كنت موجوداً في ذلك الوقت في مخيم اليرموك، كما أنني كنت أشاهد الأخبار بالتلفزيون في مقهى الجليل قرب مشحم عامر وشارع ال15 حيث اعتدت الجلوس خلال سفراتي الى المخيم.

توفي أخي وصديقي محمود الصيني – أبو هشام – بعد معاناة مع حالة صحية صعبة لازمته عقب حادث السير الذي أفقده الذاكرة. تألمت وحزنت عليه خلال سنوات المعاناة وكذلك بعد موته في مثل هذا اليوم من سنة 2012.

أنت في القلب والبال يا صديقي محمود .. نم قرير العين ..

نضال حمد

5-5-2021

محمود الصيني – نضال حمد