بساط الريح

الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر – محمد الحنفي

أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا

  • إلى كل من آمن بالحق و ناضل من اجله.

  • كل من قاوم ادلجة الدين باعتبارها منكرا.

  • كل من صمد على موقفه من اجل أن يصير الإنسان إنسانا و لا شيء آخر.

محمد الحنفي

مقدمة :

كثيرا ما تملأ أسماعنا مقولة “الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر” فنضطر إلى  القول بأن الأمور ستسير في الطريق نحو سلامة المجتمع من كل الأمراض الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، لكونها تتنافى مع تحقيق كرامة الإنسان التي هي الملاذ الذي تسعى  البشرية إلى الوصول إليه . غير أننا نسقط في متاهة اللاتحديد فلا ندري ماذا  نعني “بالمعروف” ، ولا ماذا نعني ”  بالمنكر” نظرا لعمومية اللفظين ولنسبية المدلول ، كما لا ندري من هو ” الآمر” ولا من هو الناهي ؟ وهل يمكن لكل إنسان وكيفما كان مستواه أن يقوم بعملية الأمر وبعملية النهي ؟

إننا أمام إشكالية ستبقى قائمة – كما كانت – منذ وجد مفهوم “المعروف” و مفهوم” المنكر” وهذان المفهومان يقتضيان منا معالجة جديدة مخالفة لما ورد في التفاسير المختلفة للقرآن الكريم، وفي كتب الفقه وفي العديد من الكتب التي تسمي نفسها إسلامية ، نظرا لما لحق هذين المفهومين من تحريف يستهدف مصلحة الحكام من جهة ومصلحة فقهاء الظلام و مؤدلجي الدين الإسلامي ، لأنه حسب هؤلاء على تنوعهم وتلونهم , فالمعروف هو ما ناسب  خدمة مصالحهم الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية . والمنكر هو كل ما ناهض تلك المصلحة وعرقل  خدمتها . ولذلك نجد أن هؤلاء يوظفون كل أشكال الإرهاب المادي والمعنوي لتحقيق ” المعروف” والمحافظة على وثيرة أدائه ، ولمنع المنكر الذي يعرقل أداء المعروف. وحتى نكون في عمق الصورة ، فإننا نتناول هذا الموضوع من خلال تشريح مفهوم المعروف ، ومفهوم المنكر , والغاية من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ونسبية المعروف ونسبية المنكر، وعلاقة المعروف والمنكر بالقيم السائدة في المجتمع والغاية من ادلجة المعروف والمنكر ، ومعيار الادلجة ، وضرورة تحديد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و آفاق التوظيف الإيديولوجي للمعروف والمنكر .

وما العمل من اجل جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في خدمة المجتمع ؟

ونحن عندما نتناول هذه الفقرات  فلأجل أن نقف بالتحليل الملموس لواقع” الأمر بالمعروف” و”النهي عن المنكر” حتى نتبين أن هذا المفهوم الذي استهلك كثيرا لقرون كثيرة لازال يراوح مكانه، ولازال لم يتحدد بعد حتى يأخذ طريقه إلى التمهيد لتجسيد القيم النبيلة التي تجعل الحاجة إلى الأمر”بالمعروف” والنهي”عن المنكر” غير واردة لالتزام الناس بالمسلكية الهادفة إلى تحقيق كرامة الإنسان . فتحديد المفهوم،  لا إلغاؤه صار شرطا لتجنب الخلط والتضليل حتى يتبين للناس ما يجب عمله ، وما هو البرنامج الذي يجب اتباعه لتقويم المسلكية العامة، وما هي الأسس التي يجب اعتمادها لوضع ذلك البرنامج.  لأن زمن الأمر والنهي الذي كان سائدا في المجتمع المتخلف والتقليدي ، والطفولي لم يعد واردا في زمن صار فيه التعلم يقطع أشواطا كبيرة ومتعددة المستويات ، ومختلفة النسب ، فما صار واردا هو الإعداد التربوي للأجيال وفق برنامج محدد وواضح المعالم والبنود ، والمراحل ، والأهداف الإجرائية والعامة ، والغايات الكبرى وعلى جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية.

 

مفهوم المعروف ومفهوم المنكر :

إننا إذا أردنا آن نقف على حقيقة مفهوم المعروف ومفهوم المنكر علينا أن نفرغهما من مضمونهما الديني الذي   حكمهما منذ نزول القرءان والى يومنا هذا. ذلك المضمون الذي اكسبهما إمكانية استغلالهما عن طريق ادلجتهما من قبل مؤدلجي الدين الإسلامي سواء كانوا مسيطرين على أجهزة الدولة أو كانوا يسعون إلى السيطرة عليها.وسواء عاشوا في الزمن الماضي أو في الحاضر . كما يجب أن ننطلق من كون مفهوم المعروف ، ومفهوم المنكر  هما مفهومان نسبيان ، وليسا مطلقين حتى نتبين أن مدلولهما يختلف من زمن إلى زمن آخر ، ومن مكان إلى مكان آخر . بالإضافة إلى أن مدلولهما لا يرتبط بالممارسة الفردية المعزولة، بقدر ما يرتبط بها في علاقتها بالممارسة العامة للمجتمع.ولذلك نجد أن مفهوم المعروف يستدرجنا إلى القول بأنه كل ما تعارف الناس على قبول فعله والقيام به انطلاقا من الشروط الموضوعية القائمة في بلد معين وفي زمن معين، فادا تغيرت الشروط ، وتغير المكان و الزمن ، فان ما  يصطلح على تسميته بالمعروف قد يصير غير معروف ، إن لم يصر منكرا.وحسب هذا الفهم الذي نرجحه فان المعروف لا يكون واجبا، و لا يقوم به الناس استجابة لأمر معين… بل يقومون به باختيارهم انطلاقا مما هو سائد من عادات وتقاليد و أعراف في بلد معين، وفي مجتمع معين، وفي زمن معين لان العادات والتقاليد والأعراف تختلف باختلاف البلدان والمجتمعات و الأزمنة .

و المعروف يعتبر معروفا أيضا لكونه يخدم مصالح المجتمع، ويلبي حاجاتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية كما هي متعارف عليها  انطلاقا من الشروط الذاتية ، والموضوعية لمجتمع معين ، وفي بلد معين وفي زمن معين حتى يلعب دوره في عملية التطور الشاملة لمجمل حياة الناس،    ويساهم في عملية الانتقال  من تشكيلة اقتصادية  اجتماعية إلى تشكيلة اقتصادية اجتماعية أخرى قد تختلف فيها علاقات الإنتاج  التي تؤدي إلى اختلاف العادات والتقاليد و الأعراف ، فيتغير مضمون المعروف لان ما كان يناسب التشكيلة الاجتماعية السابقة لا يناسب التشكيلة الاجتماعية اللاحقة.

أما المنكر فهو اسم مفعول من أنكر ينكر إنكارا بمعنى اقر بعدم معرفته بشيء معين ، ولعدم صلاحيته للوجود ولذلك فالناس  لا يقومون إلا بالأفعال التي يعرفونها ، أما الأفعال التي لا يعرفون عنها شيئا، فيتجنبون القيام بها . وبالنسبة للمفهوم المتداول فالمنكر كل ما اتفق الناس على عدم القيام به لعدم مناسبته لهم، أو لكونه يقف وراء إحداث أضرار اقتصادية و اجتماعية معينة في مجتمع معين و في بلد معين و زمن معين. و انطلاقا من العادات و التقاليد و الأعراف  السائدة في ذلك المجتمع. و انطلاقا من هذا التحديد فالمنكر  مسألة نسبية كما هو الشأن بالنسبة للمعروف، لأن ما كان منكرا في بلد معين و في زمن معين قد لا يكون كذلك في زمن آخر في نفس البلد لاختلاف الشروط الموضوعية التي تحكمت في قيام ذلك المفهوم، و في تحوله.

أما المفهوم الديني للمعروف و المنكر فيتصف بالاطلاقية و لا يعترف بتغير الأمكنة و الأزمنة. كما لا يعترف بالشروط الموضوعية، فما ناسب ما جاء في النص الديني فهو معروف أو منكر، و ما لم يناسب ما جاء في النص الديني فهو ليس معروفا، أو ليس منكرا. فهو يخضع لدينامية أخرى إنها دينامية التجربة. و النص الديني الذي أريد له أن يكون مطلقا، هو نفسه الذي يعترف بنسبية الأشياء، و إلا فلماذا أسباب النزول؟ و لماذا الناسخ و المنسوخ ؟ لماذا نجد في القرآن مثلا : قول الله ” و من الثمرات و النخيل و الأعناب تتخذون منه سكرا و رزقا حسنا” و قول الله ” لا تقربوا الصلاة و انتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون” و قول الله “يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر و الميسر و الأنصاب و الازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون” فالنسبية في هذه الأقوال حاضرة و لا ينكرها إلا متعصب.

و الاطلاقية التي أريد للنص الديني أن يتصف بها هي التي تعطيه إمكانية التحول إلى سلطة قاهرة على يد من ينصبون أنفسهم رجالا للدين، و الذين يختلف فهمهم للنص الديني من زمن إلى آخر و من مكان إلى آخر مما يؤكد تلك النسبية و يكرسها.

و تلك السلطة التي صارت سلطة مطلقة هي التي اعتمدها بعض الناس فحولوا مفهوم المعروف و مفهوم المنكر إلى تعبير عن المصالح الطبقية لطبقة معينة، أو لمجموعة من الطبقات الاجتماعية حتى يرتبط المعروف بما يخدم مصالح تلك الطبقة أو هذه ، و المنكر هو ما لا يخدم تلك المصلحة. و المعروف في النص الديني يرتبط بالأمر ،  والمنكر يرتبط بالنهي . فما هو الأمر ؟ و ما هو النهي ؟

إن الأمر بصفة عامة هو مجرد صيغة يمكن أن تفيد معاني مختلفة باختلاف السياق الذي وردت فيه، و يذهب الأصوليون (علماء الأصول ) الذين يشتغلون على علم أصول  الفقه أن الأمر إذا ورد في القرآن أو في النص الديني يفيد معنى الوجوب، و الوجوب حسب هؤلاء هو كل ما يجازي القائم به و يعاقب تاركه.

و كذلك الشأن بالنسبة للنهي، فهو مجرد صيغة يمكن أن تفيد معاني مختلفة بحسب السياق الذي يرد فيه و يرى الأصوليون أن النهي في النص الديني و في القرءان يفيد معنى وجوب عدم القيام بالفعل موضوع النص و حسب هؤلاء الأصوليين فالنهي هو كل ما يجازي المرء على تركه و يعاقب على فعله.

و نظرا لطبيعة الأمر و النهي في النص الديني حسب ما يراه الأصوليون، فإن الذين ينصبون أنفسهم “رجال الدين” يستغلون هذه الطبيعة لفرض سيادتهم على المجتمع باسم الدين الأمر الذي يحول الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إلى مجرد وسيلة لتحقيق مصالح طبقية معينة، و لفرض التقرب من الحاكمين المؤدلجين للدين الإسلامي، فيتحول الأمر بالمعروف و النهي و المنكر إلى وسيلة لتكريس الاستبداد بالمجتمع. و إرهاب الناس بواسطة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، الذي يتحول إلى مجرد تعبير عن مصالح الطبقة الحاكمة. و بالنسبة لمؤدلجي الدين الإسلامي يصير الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر تعبيرا أيديولوجيا مساهما بشكل كبير في تجسيد المصلحة الإيديولوجية لمختلف التيارات المؤدلجة للدين بصفة عامة، و المؤدلجة للدين الإسلامي بصفة خاصة . و لتصير ادلجة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر وسيلة لانتاج استبداد يميني متطرف بالمجتمع.

و حتى نتجاوز إشكالية تحديد المفهوم ، فإن الخلاصة التي يمكن أن نخرج بها تتحدد في :

  1. أن مفهوم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر مفهومان نسبيان.

  2. أن مفسري النص الديني يعملون على تكريس إطلاقية المفهومين، و كأن الواقع ثابت لا يتغير.

3) أن هذين المفهومين يستغلان لبسط سلطة رجال الدين في المجتمع، و لاستغلال تلك السلطة لحماية المصالح الطبقية، و تنمية تلك المصالح.

  1. أن هذين المفهومين يصيران وسيلة لتكريس الاستبداد بالمجتمع.

5) أن مؤدلجي الدين الإسلامي يحولون مفهومي الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إلى ممارسة أيديولوجية تستغل لنسج استبداد متطرف بديل بالمجتمع.

و في نظرنا فالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر يجب أن يتحول إلى ممارسة تربوية على حقوق الإنسان الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية في إطار مجتمع حر و ديمقراطي و عادل تشرف على تدبيره دولة الحق و القانون، فيصير مفهوم المعروف هو كل ما تلاءم مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، و المنكر هو كل ما لم يتلاءم مع تلك المواثيق من دستور و قوانين اجرائية تشرف أجهزة الدولة على تطبيقها في الحياة العامة، باعتبارها دولة الحق و القانون. لتنتفي بذلك الحاجة إلى الأمر و الحاجة إلى النهي، لأن المتشبع بالتربية على حقوق الإنسان يعرف ماله فيسعى إلى التمتع به، و ما ليس له فيعمل على تجنبه. و لأن دولة الحق و القانون تشرف على تطبيق القوانين المتلائمة مع المواثيق الدولية.

 

الغاية من الأمر بالمعروف :

و الأمر بالمعروف بالنسبة للعادات و التقاليد و الأعراف السائدة في مجتمع معين و في بلد معين، و في مرحلة تاريخية معينة يهدف إلى تحقيق إعادة إنتاج نفس القيم السائدة المتعارف عليها، و القائمة على وجود تشكيلة اقتصادية و اجتماعية و ثقافية معينة. هذه التشكيلة التي تفترض أنها مستمرة ولا تتغير أبدا، و أن استمرارها يقتضي إعادة إنتاج القيم المناسبة لها. فإذا تغيرت، تغيرت العادات و التقاليد و الأعراف، و تغيرت تبعا لذلك القيم السائدة. و انطلاقا من مفهوم التشكيلة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية، نجد أن ما كان يناسب التشكيلة المشاعية من قيم لا يناسب التشكيلة العبودية التي تختلف قيمها عن التشكيلة الإقطاعية التي تنتج قيما اختلفت عنها التشكيلة الرأسمالية التي تتناقض قيمها مع التشكيلة الاشتراكية التي تعتبر بداية لانتاج القيم المتطورة في اتجاه تحقيق المرحلة الشيوعية التي تتميز بإنتاج القيم الإنسانية الراقية و الأكثر تطورا. و لذلك فخطورة العادات و التقاليد و الأعراف تأتي من كونها تعتبر نتيجة للتحول الذي تعرفه التشكيلة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و لهذا كانت الغاية من الأمر بالمعروف هي إنتاج القيم أو إعادة إنتاج القيم المتناسبة مع تلك العادات و التقاليد و الأعراف لضمان استمرار تشكيلة اقتصادية اجتماعية معينة، حتى إن لم تعد صالحة للاستمرار و العمل على مقاومة إمكانية سيادة قيم تتناسب مع تشكيلة اجتماعية ثقافية نقيضة باعتبار القيم الجديدة منكرا.

أما على مستوى النص الديني فإن الأمر بالمعروف يهدف إلى تحقيق إعادة إنتاج القيم المتناسبة مع روح النص الديني باعتباره نصا مطلقا، و باعتبار القيم التي تناسب روحه قيما مطلقة يجب أن تسود في جميع الأزمنة، و في جميع الأمكنة حتى و إن كان هذا التصور يتناقض مع نسبية النص الديني التي أشرنا إلى بعض دلائلها، و حتى إن أخذنا بنسبية النص الديني، فإن القيم المتجددة و المتطورة تعبر عن روح النص الديني المتجددة بدورها.

غير أن الذين ينصبون أنفسهم أوصياء على الدين، فيتحولون بسبب ذلك إلى “رجال الدين” فإنهم يعتبرون أن الغاية من الأمر بالمعروف هي إعادة إنتاج القيم التي تخدم مصالحهم الطبقية في علاقتهم مع الجماهير الشعبية من جهة، و في علاقتهم مع الطبقة الحاكمة من جهة أخرى، فإذا كانت القيم المعاد إنتاجها لا تخدم تلك المصالح اعتبرت منكرا تجب محاربته.

و بالنسبة للطبقة الحاكمة فإن الأمر بالمعروف يهدف إلى إنتاج أو إعادة إنتاج القيم التي تؤدي إلى تأبيد سلطة تلك الطبقة. فإذا كانت القيم المنتجة أو المعاد إنتاجها لا تحقق ذلك اعتبرت منكرا.

و معلوم أن الطبقة الحاكمة تعمل على استئجار من يروج لثقافة إنتاج قيم تأبيد سيطرتها و هؤلاء المستأجرون هم الذين يسمون أنفسهم برجال الدين الذين يقومون بادلجة الدين من اجل تحقيق إنتاج القيم التي تؤبد سيطرة الطبقة الحاكمة.

أما مؤدلجوا الدين الإسلامي بالخصوص على اختلاف توجهاتهم و ألوانهم فإنهم يسعون إلى جعل الأمر بالمعروف يحقق غاية إنتاج القيم المؤدية إلى تحقيق استبداد بديل بجميع مناحي الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية في أفق قيام دولة يمينية متطرفة يسمونها “الدولة الإسلامية”، و هذه الغاية تقتضي تعميق ادلجة الدين الإسلامي، و التماس مثال للتجارب المغرقة في ادلجة الدين الإسلامي إلى درجة الظلامية من اجل الوصول إلى الاستبداد بالمجتمع كغاية قصوى باعتبار المستبدين الجدد يخلفون الله في الأرض.

و في نظرنا فإن الغاية من الأمر بالمعروف يجب أن تستهدف إنتاج القيم المعبرة عن مساهمة الأفراد و الجماعات و المجتمعات في تطوير المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و في أفق السعي إلى تغيير التشكيلة الاقتصادية – الاجتماعية بتشكيلة أرقى تحظى فيها كرامة الإنسان بالتحقق على جميع المستويات و في جميع مناحي الحياة، لأن القيم التي لا تعمل على تطوير المجتمع و على تطوره، فإنها تعمل على تخلفه و تراجعه إلى الوراء. و بالتالي فإن المستفيد من التطور و التطوير هو الإنسان الذي ينفتح على العالم، و يستفيد منه و يفيد في تحقيق كرامة البشرية بتحقيق مجتمع الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية.

و انطلاقا مما رأينا، فإن الأمر بالمعروف ليس إلا نصيحة بتمثل القيم الإيجابية في المجتمع كما تقرها العادات و التقاليد و الأعراف. و كما هي مساعدة على الانتقال بالمجتمع إلى المرحلة الأرقى التي تقتضيها مصلحة البشرية أفرادا وجماعات ومجتمعات حتى تتجاوز البشرية  كل الأزمات التي تحول دون استدامة كرامتها التي ستصير غير قابلة للهدر أبدا في المجتمع الحر و الديمقراطي و العادل الذي هو الأمل  الذي ناضلت من اجل تحقيقه البشرية منذ الزمن القديم و إلى يومنا هذا. و ستناضل إلى أن يتحقق.

 

الغاية من النهي عن المنكر :

و كما رأينا في الغاية من الأمر بالمعروف، فإن الغاية من النهي عن المنكر، يقتضي منا أن نسجل أن المنكر مسألة نسبية تختلف باختلاف العادات و التقاليد و الأعراف التي تختلف حسب الأمكنة و الأزمنة و حسب التشكيلات الاقتصادية الاجتماعية في تطورها، و في تمرحلها  انطلاقا من خصوصية كل مجتمع على حدة. و انطلاقا من ذلك ، فإن المنكر يتحدد انطلاقا من الشروط الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية السائدة في بلد معين و في زمن معين. و انطلاقا من هذا الاختلاف الموضوعي لمفهوم المنكر، فإن الغاية منه أيضا تختلف تعبا لاختلاف العادات و التقاليد و الأعراف حسب الأزمنة و الأمكنة، و طبيعة المجتمعات و حسب التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية في تطورها. و انطلاقا من الشروط الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية في بلد معين و في زمن معين.

و لذلك نجد أن الغاية من النهي عن المنكر في المجتمع المشاعي تتحدد في محاربة كل القيم التي تحد من ممارسة المشاعة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية حتى لا يبرز في الأفق ما يؤدي إلى الحد منها، و القضاء عليها، و سيطرة البعض على الطبيعة والمجتمع والحيلولة دون أن يمارس الناس كامل حريتهم على  الأرض يأخذون من الطبيعة ما يشاؤون، و في المجتمع حيث يمكن أن يربطوا العلاقة التي يشاؤون دون حسيب أو رقيب.

كما أن الغاية من النهي عن المنكر في المجتمع العبودي يتمثل في محاربة كل القيم التي تؤدي إلى الحط من قيم الأسياد و جعل العبيد يثورون ضد تكريس العبودية  ، حتى يستمر استغلال الأسياد  للعبيد ، وحتى تستمر قيمة الأسياد في الارتفاع و يستمر انحطاط العبيد لأنه في  المجتمع العبودي لاشيء موجود اسمه  المساواة التي يجب اعتبارها منكرا في مجتمع الأسياد.

وفي نفس السياق فإن النهي عن المنكر في المجتمع الإقطاعي يقتضي محاربة الحد من استغلال الإقطاعيين للاقنان ومن التمتع بخيرات الأراضي الواسعة التي يملكها الإقطاعيون لان الحد من ذلك الاستغلال ومن الاستفادة من الخيرات التي يحرم منها الاقنان . فمن المنكر الذي يجب النهي عنه أن يشعر القن بأن الأرض يجب أن تكون له ، لأنه هو الذي يعمل فيها ويرتبط بها ، أو على الأقل أن يصير حرا على الأرض التي يعمل فيها ، وان يتمتع بحقوقه الاقتصادية والاجتماعية و الثقافية والسياسية ، لأن تلك الحرية تعتبر منكرا يجب النهي عنه لأنه يمس بسلامة النظام الإقطاعي.

وعندما يتعلق الأمر بالمجتمع الرأسمالي فان الغاية من النهي عن المنكر تتجسد في المحافظة على ملكية الطبقة الرأسمالية البورجوازية لوسائل الإنتاج، باعتبار تلك السلطة عنوان السيادة الرأسمالية البورجوازية. ولذلك فمن المنكر أن يتمتع العمال باعتبارهم مشغلين لوسائل الإنتاج بحقوقهم الاجتماعية والاقتصادية والمدنية والسياسية، حتى يستمر استغلالهم لصالح مالكي وسائل الإنتاج في ظروف قمعية احسن من اجل الزيادة في مستوى فائض القيمة لتزداد بذلك استفادة البورجوازية على جميع المستويات ، ولتبقى الطبقة العاملة غير قادرة على رفع رأسها أمام الطبقة البورجوازية .

أما المجتمع الاشتراكي فإن  الغاية من النهي عن المنكر فيه تقتضي الحفاظ  على نمط الإنتاج الاشتراكي والسعي إلى تطويره في اتجاه تحقيق المرحلة الأرقى . فكل ما يشكك في نجاعة النظام الاشتراكي، وفي جعل هذا النظام ديمقراطيا لضمان استمراره وتطوره يعتبر منكرا. وعودة المجتمع الرأسمالي يعتبر منكرا ، ونشر القيم المتخلفة والرجعية يعتبر منكرا. ولذلك فالنهي عن منكر من هذا النوع  يحقق غاية سلامة النظام الاشتراكي من الأمراض التي تنخر كيانه.

وبالنسبة للمجتمع الشيوعي المحتمل تحقيقه ، فان النهي عن المنكر يحقق غاية المحافظة على سلامة هذا المجتمع من عودة سلطة الدولة باعتبارها أداة السيطرة الطبقية والحاجة إليها في المجتمع الشيوعي المستقبلي غير واردة لانتفاء وجود الطبقات ، ولارتفاع مستوى الناس إلى حكم أنفسهم بأنفسهم .وهو ما يعني تحقق الديمقراطية في أعلى مستوياتها الاجتماعية والاقتصادية والمدنية والسياسية.

وبالنسبة للتوجهات السياسية فإننا نجد :

إن الغاية  من النهي  عن المنكر بالنسبة لليمين المتطرف تتمثل في إقصاء ونفي كل ما يتعارض مع ادلجة الدين  بصفة عامة ،  و ادلجة الدين الإسلامي بصفة خاصة .إلا أن  النهي عن المنكر يتحول هو نفسه إلى مقولة إيديولوجية يعتمدها اليمين المتطرف لإيهام الناس أن هذا اليمين هو وحده الذي يستطيع القضاء على كل أشكال المنكر –كما يراها اليمين المتطرف- و إنشاء مجتمع خال منها ، تحكمه دولة اليمين المتطرف “الدولة الإسلامية” التي ليست بدورها إلا مقولة أيديولوجية، لأن الدولة هي جهاز قمعي وليست كيانا يؤمن أو يكفر بالدين الإسلامي حتى تكون هناك – وعلى يد هذا اليمين المغرق في ادلجة الدين الإسلامي- دولة إسلامية .

وبالنسبة للحزب الإقطاعي باعتباره حزبا يمينيا ، فإن النهي عن المنكر- كما يراه أعضاء هذا الحزب – يحقق غاية تتمثل في تمهيد الأرض و إعداد المجتمع لتحقيق المجتمع المحكوم بالنظام الإقطاعي الذي يعمل على حماية مصالح الإقطاعيين. ولذلك فكل الأفكار والإيديولوجيات التي تدخل في  صراع مع أيديولوجية الحزب الإقطاعي تعتبر منكرا تجب محاربته   لتحقيق غاية الحزب الإقطاعي .

وان الغاية من النهي عن المنكر بالنسبة للحزب البورجوازي التابع  هي بناء اقتصاد رأسمالي تابع للنظام الرأسمالي العالمي من خلال المؤسسات المالية الدولية التي تغرق البلاد بالديون ، حتى ينشغل بخدمة الدين، وتزداد أرباح البورجوازية التابعة ، وكل ما يؤدي إلى وضع حد للتبعية وتحرير الاقتصاد الوطني منها يعتبر منكرا ينهى عنه الحزب البورجوازي التابع لتامين مستقبل البورجوازية التابعة .

وان الحزب البورجوازي يعتبر أن الغاية من النهي عن المنكر تتمثل في القضاء على كل ما يتعارض مع حرية الاستثمار والتراكم الرأسمالي الوطني الذي يجعل تلك البورجوازية كمثيلاتها في البلدان المتقدمة على جميع المستويات الصناعية والتجارية و الخدماتية  و البنكية. ولذلك فالدعوة إلى التوزيع العادل للثروة  وتحويل  ملكية وسائل الإنتاج إلى ملكية عامة يعتبر منكرا تجب  محاربته حفاظا على مصالح البورجوازية الاجتماعية والاقتصادية والمدنية والسياسية.

وان حزب البورجوازية الصغرى يرى أن الغاية من النهي عن المنكر تتمثل في إزالة كل العوائق التي تحول دون تحقيق تطلعات البورجوازية الصغرى المتمثلة في التحاق هذه البورجوازية بالطبقة الأعلى سواء تعلق الأمر بالبورجوازية أو بالبورجوازية التابعة. وعلى هذا الأساس فالمنكر هو كل ما تعارض مع تحقيق التطلعات وعلى جميع المستويات الاجتماعية والاقتصادية والمدنية والسياسية،  و ما تعارض مع تحقيق تطلعات البورجوازية الصغرى تجب محاربته  حماية لمصالحها المختلفة.

وإن حزب الطبقة العاملة يعتبر أن الغاية من النهي عن المنكر- كما يفهمه هذا الحزب- تتمثل في إنضاج الشروط الموضوعية المؤدية إلى جعل ملكية وسائل الإنتاج الرأسمالية البورجوازية  ملكية جماعية . وهو يعتبر أن كل ما يؤدي إلى إلغاء الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج وكل ما يعرقل النضال من اجل سيادة الملكية الجماعية لتلك الوسائل يعتبر منكرا تجب محاربته حماية لمصالح الطبقة العاملة التي هي مصالح المجتمع ككل .

وبالنسبة لتوجه اليسار المتطرف نجد أن غايته من النهي عن المنكر تتمثل في إقصائه لكل التوجهات التي ترى في مزايداته مجرد تشويش على اطروحات حزب الطبقة العاملة و سائر الديموقراطيين الحقيقيين حتى يتم فرض اعتباره هو التوجه الوحيد الذي بيده تحقيق التطلعات البورجوازية الصغرى لليسار المتطرف. ولذلك، فاليسار المتطرف هو مجرد تعبير عن تطلعات البورجوازية الصغرى ولكن بطريق مختلف .ولذلك فالمنكر هو كل ما تعارض مع تحقيق تلك التطلعات وبالطريق المختلف ، وما تعارض مع تلك التطلعات تجب محاربته للمحافظة على مصالح اليسار المتطرف على جميع الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والمدنية والسياسية، حتى يستمر اليسار المتطرف في التواجد والنمو .

وعلى مستوى آخر فإن النهي عنه يصير تعبيرا عن حماية مصالح الأشخاص الدين ينصبون أنفسهم متكلمين باسم الدين بصفة عامة، وباسم الدين الإسلامي بصفة خاصة سواء في علاقتهم مع الطبقة الحاكمة، وفي علاقتهم مع الجماهير الشعبية الكادحة. وهؤلاء الذين يسمون أنفسهم “برجال الدين”، و تسميهم الطبقة الحاكمة ب”العلماء” يعتبرون أن كل ما تناقض مع مصالحهم المختلفة منكرا ، و لا علاقة لهذا المنكر بالأخلاق العامة لأن الأخلاق العامة نفسها ليست إلا تعبيرا عن المصالح الطبقية من خلال القيم التي تتحلى بها كل طبقة اجتماعية على حدة انطلاقا من أيديولوجيتها و من طبيعة مصالحها الطبقية.

و إذا كانت هذه الفئة التي تدعي أنها تتكلم باسم الدين تسعى إلى حماية مصالحها، فإنها تسعى في نفس الوقت إلى تحقيق غاية أخرى بالنهي عن المنكر. و هذه الغاية هي حماية مصالح الطبقة الحاكمة التي تدفع هؤلاء إلى ادلجة الدين لصالحها لتضليل الناس و جعلهم يعتقدون أن الطبقة الحاكمة تحكم باسم الله فيقبلون كل تصرفاتها و مواقفها على أنها من إرادة الله.

و بالنسبة لمؤدلجي الدين الإسلامي فإن غايتهم من النهي عن المنكر تتجلى في حماية مصالحهم المتمثلة في إعداد الناس و تجييشهم لمحاربة كل من خالفهم من اجل التأسيس لاستبداد بديل لاستبداد الطبقة الحاكمة، و الوصول إلى إلغاء كل أشكال التنوير القائمة من المجتمع. و القضاء على السلطة المستبدة القائمة و تأسيس سلطة اكثر استبدادا تساعد مؤدلجي الدين الإسلامي على تسخير كل شيء لخدمة مصالحهم.

و في رأينا فإن الغاية من النهي عن المنكر ترتبط بطبيعة القهم الذي نعطيه للمنكر، و بطبيعة الطبقة الاجتماعية المنتمية إلى تشكيلة اقتصادية اجتماعية معينة في مرحلة تاريخية معينة و في مكان معين، و بطبيعة الشروط الموضوعية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية التي تحكم الفهم، و تحكم قيام طبقة معينة و انسجاما مع هذا التصور فإن الغاية تتمثل بالخصوص في حماية المصالح الفردية و الجماعية و الطبقية. و أن اعتبار الغاية دينية ليست إلا ممارسة أيديولوجية تأتي امتدادا لأدلجة الدين الإسلامي لصالح طبقة معينة، أو لصالح المؤدلجين أنفسهم إذا كانوا يشكلون تيارا سياسيا قائما على ادلجة الدين. و بالتالي فإن المنكر ليس مفهوما دينيا صرفا، بقدر ما هو إنتاج اجتماعي، و أن الغاية منه ما هي إلا ممارسة اجتماعية تبتدئ و تنتهي في المجتمع قبل أن ترتبط بالغيب المرتبط بالدين، لا تحقق الغاية منه إلا في الحياة الأخرى. و ما دامت الغاية من النهي عن المنكر ما هي إلا ممارسة اجتماعية، فإنها في نفس الوقت ممارسة أيديولوجية معبرة عن مصالح طبقية معينة. و لا داعي لأن نسجنها في القارورة الدينية التي تعطي للمدعين اعتبار أنفسهم انهم وحدهم الذين يعرفون ما في تلك القارورة. و بناء على تلك المعرفة، فإنهم ينوبون عن الله في الأرض و يفعلون ما يشاؤون بالمجتمع باسم الدين، الأمر الذي لا يجب أن يكون مقبولا، لأن زمن الرسالات انتهى. و أن  فهم النص الديني ليس وحيا ينزل من السماء بقدر ما هو عملية نسبية ترتبط بالشروط الموضوعية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية التي تحكم المتعاملين مع النص الديني في كل زمان و في كل مكان. و إلا فلماذا نجد هذا الاختلاف في الفهم الذي يمتد على مدى الأزمنة، و على مدى الأمكنة، و على مدى الأشخاص المتعاملين مع النص الديني.

نسبية المعروف، و نسبية المنكر :

     و انطلاقا من هذا التلون في فهم المعروف، و في فهم المنكر و في الغاية من المعروف، و الغاية من المنكر. نطرح السؤال الآتي، فلماذا هذا الاختلاف ؟ و لماذا لم يكن فهم المعروف و فهم المنكر ثابتا لا يتطور، و لا يتغير ؟ و لماذا اختلفت الغاية من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ؟

و للوصول إلى مقاربة الجواب يجب أن نؤكد أن فعل الإنسان مهما كانت اطلاقيته لابد أن يتخذ طابع النسبية، و أن اختلاف الأديان السماوية لابد أن يكون نتيجة لقيام النسبية، و أن أسباب نزول القرآن هو نتيجة لتقرير النسبية، و وجود الناسخ و المنسوخ فيه تأكيد لتلك النسبية. و ما دام الأمر كذلك، فإن الاطلاقية ما هي إلا نتيجة لعجز الإنسان عن إدراك ما يجري في الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي. و هذا العجز هو الذي يعطي للإنسان الحق في اللجوء إلى تفسير كل الظواهر بالقوة الغيبية. و للأسف الشديد فإن ما يتوصل إليه الإنسان من نتائج عن طريق البحث لا يساهم إلا في الإغراق في الاطلاقية نظرا لغياب حداثة حقيقية في البنيات الاقتصادية القائمة، و الحداثة لا تكون إلا صناعية. و الصناعة عندما تقوم في بلد معين يجب أن تكون محكومة بفلسفة معينة تقوم بدور إعداد الناس لإدراك الدور التاريخي للاقتصاد الصناعي في التسريع بقيام بنيات اجتماعية حديثة على أنقاض البنيات التقليدية، و بإنتاج بنيات ثقافية و فكرية و أيديولوجية و سياسية تتناسب مع البنيات الاجتماعية القائمة. و بقيام الحداثة الصناعية على الفلسفة المناسبة لها، يمكن حينذاك أن نجزم بأن الاطلاقية التي وقفت وراء إنتاج التخلف على مدى عصور بكاملها، قد دخلت في ذمة التاريخ، و حينها يمكن الإقرار الفلسفي و الفكري و الاجتماعي بنسبية الاشياء و الأفكار و الممارسات و المعتقدات، و بالإقرار بنسبية الأشياء و ما سواها يمكن أن ندخل التاريخ الذي لا يكون إلا نسبيا، لأن التاريخ القائم هو بدوره تاريخ محكوم بالاطلاقية لأنه حتى و أن كان من فعل الإنسان، فإنه هو بدوره نتيجة لعقلية القدر التي تنسب كل شيء للغيب الذي تقرر فيه كل ما يحدث سلفا، قبل أن يوجد الإنسان على وجه الأرض.

فما هي النسبية ؟

إن النسبية مفهوم فلسفي يمكن اعتماده لتقرير أن الأفعال و الظواهر الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، هي نتيجة لقيام شروط موضوعية معينة في مرحلة تاريخية معينة، و في مكان معين و باستحضار تلك الشروط التي تصير الشروط الذاتية الفردية و الجماعية جزءا منها، تنتفي الاطلاقية، لأنه حينها تصير الأفعال و الظواهر من إنتاج الطبيعة و المجتمع و طبقا لما تقتضيه القوانين الطبيعية.

و باستحضار الشروط الموضوعية في النظر إلى الأفعال و الظواهر يمكن القول بأن النسبية هي تقرير ربط الأفعال و الظواهر بقيام شروط موضوعية معينة في مرحلة تاريخية معينة و في مكان معين اقتضت القيام بتلك الأفعال، و حدوث تلك الظواهر.

و بناء على هذا الفهم العلمي للنسبية نجد انه لا مجال للاطلاقية في تاريخ البشرية، و أن الذين يعتمدون الاطلاقية في التعامل مع الأفعال و الظواهر ما هم إلا مجرد أناس تمرسوا على ادلجة الدين الإسلامي الذي يرفض تلك الاطلاقية عندما يتعلق الأمر بأفعال الإنسان. و إلا فلماذا الجزاء و العقاب، و ما ضرورة ما ورد في القرءان ” فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، و من يعمل مثقال ذرة شرا يره” فالنسبية تستحضر حتى في يوم القيامة، و مع ذلك نجد أن مؤدلجي الدين يتمسكون بالاطلاقية، لأنها هي وحدها التي تمكنهم من التوظيف الأيديولوجي للنص الديني لحماية مصالحهم التي تكونت على أساس تلك الادلجة.

و لذلك نجد أن مفهوم المعروف، و مفهوم المنكر مفهومان نسبيان يقومان على ما تعارف الناس على فعله أو أنكروه في مرحلة تاريخية معينة وفي بلد معين و انطلاقا من الشروط الموضوعية القائمة في الزمان و المكان.

و بهذا الفهم لنسبية المعروف و المنكر نستطيع أن نقول إن المعروف و المنكر في التشكيلة المشاعية يختلف عنها في التشكيلة العبودية، كما يختلف عنهما في التشكيلة الاقطاعية التي تعتبر رؤيتها للمعروف و المنكر مختلفة عنهما في التشكيلة الرأسمالية التي ربطتهما بما يخدم مصلحة تنمية الرأسمالية أو بما يتناقض مع تلك المصلحة، و هو أمر غير وارد في التشكيلة الاشتراكية التي ترى في المعروف كل ما يحقق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية، كما ترى في المنكر  كل ما يتعارض مع ذلك. و هو ما يعتبر تمهيدا لتطوير مفهوم المعروف و مفهوم المنكر في التشكيلة الشيوعية التي تنتفي فيها الطبقات الاجتماعية، انتفاء يفرض انتفاء الحاجة إلى الدولة التي ارتبط وجودها في الأصل بانقسام المجتمعات البشرية إلى طبقات اجتماعية تسعى فيها الطبقة المهيمنة و المسيطرة على الاقتصاد إلى جعل الدولة  أداة للسيطرة على باقي الطبقات. و هذه الأداة هي الدولة التي سماها منظروا الاشتراكية العلمية ب”أداة السيطرة الطبقية” و ليست شيئا نازلا من السماء.

و بالإضافة إلى ما ذكرنا، فمفهوم المعروف و المنكر في نظر الأسياد ليس كما هو عند العبيد، و في نظر الإقطاعيين ليس كما هو عند الاقنان، و في نظر البورجوازيين ليس كما هو عند الطبقة العاملة، و في نظر البورجوازية الصغرى ليس كما هو عند سائر الكادحين.

و هذا التنوع في الفهم يقودنا إلى القول بأن المعروف و المنكر في نظر اليمين المتطرف يختلف عنهما في نظر الحزب الإقطاعي، كما يختلف عنهما في نظر الحزب البورجوازي الذي يحمل فهما يختلف تماما عن فهم حزب الطبقة العاملة الذي يرى أن المعروف يتجسد في كل ما يقود إلى تحقيق الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج. و يرى في المنكر كل ما تعارض مع الملكية الجماعية، و هو فهم يختلف عن فهم حزب اليسار المتطرف الذي يرى في المعروف كل ما تناسب مع مزايداته، و في المنكر كل ما تعارض مع تلك المزايدات.

و من جهة أخرى فالمعروف و المنكر عند اليهود يختلف عنهما عند المسيحيين، كما يختلف عنهما عند المسلمين، لأن كل ديانة ترى في المعروف كل ما تناسب مع جوهر دعوتها، و ترى في المنكر كل ما تعارض مع ذلك الجوهر.

و المعروف و المنكر في نظر مؤدلجي الدين ليس كما هو عند عامة الناس في جميع الديانات نظرا لارتباطهما بالمصالح الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية.

و بالنسبة للديانات التوحيدية، فإن فهمها للمعروف و المنكر يختلف عن فهم الديانات الوثنية، و فهم المتدينين للمعروف و المنكر يختلف عن فهم الملحدين … وهكذا.

و في نظرنا فإن نسبية المعروف و نسبية المنكر قائمتان في الواقع بكل تجلياته التاريخية و العقائدية و الموضوعية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية و الطبقية المحلية و الوطنية و القومية و العالمية نظرا لارتباطهما بخدمة المصالح الطبقية المختلفة مهما كان المضمون الذي يعطى للمعروف أو المنكر، و مهما كانت الغاية منهما. و تلك النسبية هي التي تدعونا إلى القول بأن المعروف و المنكر هما مصطلحين اجتماعيين بالدرجة الأولى. و أن إكسابهما اللغة الدينية ليس إلا نتيجة لاجتماعياتهما، لأن أي دين لا يتكلم إلا لغة المجتمع الذي يستهدفه ذلك الدين. و بالنسبة للدين الإسلامي فقد استعملت نصوصه للمعروف و المنكر لا باعتبارهما مصطلحين دينيين بل باعتبارهما مصطلحين اجتماعيين، و أن الدين نفسه، بقيمه الروحية التي يبثها في المجتمع يصير اجتماعيا، و اجتماعيته هي التي أكسبته ذلك المد الذي عرفه قبل أن يصير قابلا للتوظيف الأيديولوجي بسبب التأويلات الكثيرة و المغرضة التي لا حدود لها على مدى عصور بأكملها، مما جعل المتعاملين مع النص الديني للإسلام يعتبرون أن مفهوم المعروف و المنكر هو مفهوم ديني صرف، و الواقع ليس كذلك.

 

علاقة المعروف و المنكر بالقيم السائدة في المجتمع :

و انطلاقا من مفهوم المعروف و مفهوم المنكر كما بسطناهما في الفقرات السابقة، و انطلاقا من الغاية من الأمر بالمعروف، و من الغاية من النهي عن المنكر، و من نسبية كل منهما، فإننا سنجد على ارض الواقع أن كل ذلك يرتبط بالقيم التي تختلف من مكان إلى مكان، و من زمن إلى زمن. فالمعروف لا يكون معروفا فعلا إلا انطلاقا من القيم السائدة في المجتمع تلك القيم التي يفترض فيها أن تتناسب مع المكونات الثقافية للمجتمع و التي تلعب دورا كبيرا في اعتبار قيم معينة معروفا على جميع المستويات المحلية و الإقليمية و الجهوية و الوطنية و القومية و العالمية و هذه القيم تكون ذات بعد طبقي و عقائدي و إنساني.

ففي المجال الاقتصادي نجد أن نمط الإنتاج الاقتصادي يلعب دورا كبيرا في إنتاج قيم معينة فنمط الإنتاج العبودي ينتج قيم الاستعلاء و الخضوع، و التفوق و الوضاعة، و الاستغلال العبودي و قبول ذلك الاستغلال، و قيم الأسياد، و قيم العبيد. وبعد اختفاء المرحلة العبودية، نجد أن قيمها انتقلت إلى المرحلة الإقطاعية، و بدل أن نجد الأسياد هم الأقوى صار الإقطاعيون مكانهم نظرا لطبيعة الملكية السائدة في المرحلة الإقطاعية، و قيم العبيد انتقلت إلى الاقنان مع بعض الاختلاف بسبب التطور الحاصل في المرحلة الموالية و نفس الشيء نقوله بالنسبة للمرحلة الرأسمالية التي أصبحت فيها الملكية الفردية لوسائل الإنتاج الصناعي هي السائدة و التي صاحبتها قيم جديدة لم تكن معروفة من قبل كقيم الحرية، و الديمقراطية و حقوق الإنسان، و تقرير المصير و احترام الحرية الفردية و الجماعية و أشياء أخرى ترتبط بتطور المجتمع الرأسمالي، و باستمراره في التطور وصولا إلى المرحلة الاشتراكية التي تصاحبها قيم التضحية، و الحرية و الديمقراطية بمضمونها الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي سعيا إلى تحقيق العدالة الاجتماعية في ظل النظام الاشتراكي الذي يفرض الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج لضمان التوزيع العادل للثروة بين جميع أفراد المجتمع، و على أسس علمية دقيقة. و المرحلة الاشتراكية تساهم بشكل كبير في إعداد المجتمعات البشرية التي صار يسود فيها النظام الاشتراكي لتقبل إنتاج القيم المناسبة للمرحلة الشيوعية.

و كما تختلف القيم حسب تنوع التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية على المستوى الاقتصادي فإنها تختلف أيضا على المستوى الاجتماعي، حيث نجد أن القيم الاجتماعية المناسبة للمجتمع العبودي تقتضي وجود طبقتين اجتماعيتين، طبقة الأسياد و طبقة العبيد، و لكل من الطبقتين عادات و تقاليد و أعراف تناسب تلك الطبقة على مستوى الأكل و الشرب و اللباس و المعاملات وغيرها مما يرتبط بإنتاج القيم الخاصة بكل طبقة على حدة و المجتمع الإقطاعي يعرف بدوره وجود طبقتين رئيسيتين هما طبقة الإقطاعيين، و طبقة الاقنان. و لكل من الطبقتين قيم ناتجة عن طبيعة العادات و التقاليد و الأعراف الخاصة بكل منهما و المعروف يتحدد حسب مناسبته القيم الإقطاعية  الملبية لمصلحة الإقطاعيين، أو لمصلحة الاقنان المناسبة لها. و نفس الشيء نقوله بالنسبة لقيم الطبقة البورجوازية التابعة، أو لقيم البورجوازية أو لقيم البورجوازية الصغرى التي يتغير المعروف تبعا لها. و كذلك الأمر بالنسبة لقيم الطبقة العاملة التي تنتج مفهوما مغايرا للمعروف الذي يجب أن يتناسب مع مصلحة الطبقة العاملة كما يتناسب مع مصلحة البورجوازية التي تتناقض معها.

و ما قلناه في الطبقتين الرئيسيتين الاجتماعيتين في كل مرحلة على حدة يمكن قوله في الطبقة الوسطى في كل مرحلة حيث نجد أن طبيعة تلك الطبقة الاجتماعية الوسطى تختلف من عصر إلى آخر، فتختلف تبعا لذلك قيمها التي تؤدي إلى اختلاف فهمها للمعروف.

و عندما يتعلق بسائر الكادحين و العاطلين و المهمشين، فإن قيمهم تختلف من مرحلة إلى أخرى فيختلف تبعا لذلك فهم المعروف.

و على المستوى الثقافي، فإن الأدوات الثقافية المناسبة للمرحلة العبودية تساهم بشكل كبير في إنتاج القيم المناسبة للأسياد و العبيد في نفس الوقت، فيكون لتلك الأدوات الثقافية اثر كبير في إنتاج فهم خاص بكل طبقة للمعروف. و عندما يتعلق الأمر بالطبقة الإقطاعية وطبقة الاقنان فإن الأدوات الثقافية المنتجة لقيمها تتغير نظرا للتطور الحاصل في مرحلة الإقطاع و الاقنان، فيؤدي ذلك إلى تحول في القيم يؤدي إلى تحول في فهم المعروف. أما الطبقة البورجوازية و الطبقة العاملة فلهما أدوات ثقافية مختلفة و متطورة، و سريعة الإنتاج للقيم المنتجة للفهم المتطور للمعروف. و هناك أدوات مختلفة تناسب الطبقة الاجتماعية الوسطى في كل مرحلة تجعل فهمها للمعروف مختلفا.

و على المستوى السياسي، فإن طبيعة النظام السياسي المتناسب مع المرحلة العبودية يتدخل لانتاج قيم سياسية تساهم في تحديد مفهوم الأسياد و العبيد للمعروف. و طبيعة النظام السياسي المتناسب مع المرحلة الإقطاعية يتدخل في توجيه القيم المختلفة لمختلف الطبقات الاجتماعية في المرحلة الإقطاعية . فيؤدي ذلك إلى فهم عام للمعروف السياسي في هذه المرحلة، و عندما يتعلق الأمر بالمرحلة الرأسمالية، فإن النظام السياسي يكون اكثر تطورا و اكثر تأثيرا في انتاج القيم، و اكثر سرعة في تحول تلك القيم المناسبة للطبقات الاجتماعية في هذه المرحلة. و ذلك التحول السريع في القيم السياسية ينتج بدوره تحولا سريعا في فهم المعروف.

وتبعا للعلاقة العضوية القائمة بين القيم المختلفة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية وبين مفهوم المعروف .  فإننا نجد أن هذه العلاقة تتغير وتتنوع تبعا للبيئة التي يعيش فيها البشر فالبيئة الأسيوية تساهم في إنتاج القيم الأسيوية التي تحدد فهما محددا للمعروف . والبيئة الإفريقية تنتج قيما إفريقية تساهم في فهم إفريقي محدد للمعروف . والبيئة الأوروبية تختلف عن البيئة الأسيوية و الإفريقية في تحديد نوع القيم البيئية المناسبة والتي تتدخل لانتاج فهم أوروبي للمعروف . والبيئة الأمريكية تتميز عنها جميعا في إنتاج قيم نوعية تجعل الأمريكيين يختلفون عن جميع الناس في الشعور بالتفوق على جميع البشر ، وعلى جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية فيتكون لديهم فهم خاص للمعروف يتناسب مع ذلك الشعور المتكون عندهم بسبب انتمائهم إلى البيئة الأمريكية .

و ما قلناه عن البيئات الكبرى يمكن أن نقوله عن البيئات المتوسطة والصغرى ، وعن البيئات المحلية في إطار كل دولة على حدة ، مما يجعل القيم المنتجة بيئيا تختلف من قرية إلى أخرى. فيؤدي ذلك إلى اختلاف فهم المعروف أيضا من قرية إلى أخرى ، ومن مدينة إلى مدينة ، واكثر من هذا فإن علاقة الإنسان بالبيئة تجعل القيم الناتجة عن تلك العلاقة تختلف من شخص إلى آخر، فيختلف تبعا لذلك فهم المعروف من شخص إلى آخر.

وما قلناه  عن البيئة يقودنا إلى استحضار دور اللغة في نقل القيم وفي إنتاجها ، باعتبارها لغة العلم والمعرفة ، وباعتبارها لغة تواصل بين أفراد المجتمع الواحد ، أو مجموعة من المجتمعات. ولذلك فاللغة العربية تنقل إلى مستعمليها قيما معينة من التاريخ العربي،  فتنقل  تبعا لذلك فهما محددا للمعروف يمكن اعتباره فهما تاريخيا والي جانب ذلك تساهم في إنتاج قيم العروبة المتطورة التي تنتج بدوها فهما متطورا للمعروف يوحد بين مستعملي اللغة العربية أينما كانوا، وخاصة في البلدان التي تستعمل اللغة العربية كلغة رسمية. وما قلناه عن اللغة العربية يمكن أن نقوله عن جميع اللغات الأخرى التي يراد نقلها و إنتاجها للقيم بقدر ما يتسع مجال استعمالها عبر قارات العالم فتتدخل قيمها المنتجة والمنقولة في صياغة مفهوم المعروف .

وعندما يتعلق الأمر بالأديان باعتبارها مصدرا للقيم الروحية فإننا نجد أن قيم اليهودية تعطي فهما معينا للمعروف يتناسب معها ، وقيم المسيحية تعطي مفهوما مخالفا، وقيم الإسلام تعطي مفهوما آخر يتناسب مع تطور هذا الدين ومع المرحلة التي جاء فيها ، وبقدر ما ينتشر الدين بقدر ما تعظم قيمه بقدر ما يتعمق مفهومه للمعروف .

وهنا يجب أن لا نغفل ادلجة الأديان المختلفة من دين لآخر ودور تلك الادلجة في إنتاج قيم معينة تؤدي إلى مفاهيم مختلفة للمعروف تختلف باختلاف الادلجة ، ومدى اعتدالها وتطرفها وهكذا .

وما قلناه عن المعروف وعلاقته بمختلف القيم نقوله أيضا عن المنكر في علاقته بالقيم المناسبة لكل تشكيلة اقتصادية واجتماعية، وبالقيم المناسبة لكل طبقة على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية و بالقيم المناسبة لكل بيئة ، ولكل دين ولكل ادلجة للدين سواء كانت معتدلة أو متطرفة .

وفي رأينا فإن علاقة المعروف والمنكر هي علاقة عضوية، لأن القيم السائدة هي التي تحدد المعروف المرغوب في الأمر به كما تحدد المنكر المطلوب النهي عنه، وهو ما يؤكد اجتماعية القيم مهما كان مصدرها واجتماعية المعروف والمنكر في نفس الوقت .

وإذا كنا قد اخترنا أن تكون العلاقة بين المعروف والمنكر من جهة ، وبين القيم المنقولة والمنتجة من جهة اخرى علاقة عضوية فلأننا نختار أن يكون للمعروف والمنكر بعد اجتماعي حتى لا يتحول إلى وسيلة لارهاب المجتمع باسم الدين ، وعلى يد مدعي الكلام باسم الدين نيابة عن الله في الأرض لصالح الطبقة الحاكمة ولصالح حماية مصالحهم الطبقية، أو سعيا إلى إنتاج استبداد بديل على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، لأنه بإعطائنا للمعروف والمنكر بعدا اجتماعيا ، نقر مباشرة بالاختلاف الذي يقتضي الحوار المنطلق أساسا من نسبية المعروف ونسبية المنكر، ومن اختلاف تلك النسبية من مرحلة تاريخية إلى مرحلة تاريخية أخرى . وهذا الاختلاف هو الذي يعطي للصراع الطبقي على جميع المستويات الأيديولوجية والسياسية والتنظيمية مشروعيته التي تتجسد بالخصوص في مشروعية الصراع بين القيم التي يتبين أن بعضها معروف، وان بعضها لآخر منكر. فيتعين تبعا لذلك الأمر بالمعروف الذي لا يستلزم الوجوب ، والنهي عن المنكر الذي لا يستلزم الإكراه .لأن ما هو معروف عند طبقة معينة يعتبر منكرا في نظر الطبقة النقيض. و ما هو منكرا في نظر طبقة معينة يعتبر معروفا عند طبقة أخرى. وعندما نقر بأن صراع القيم باعتبارها معروفا أومنكرا ما هو إلا صراع طبقي، فإننا ننزل المفهومين من السماء إلى الأرض على مستوى التصور. لأن هذا المستوى ذو البعد الفكري قد يتخذ له بعدا مثاليا يجعل حامله يعتقد انه هو وحده الذي ينوب عن الله في الأرض في المكان و الزمان المحددين و هو ما يجب التصدي له بالإصرار  على اجتماعية المعروف و المنكر، و نسبيتهما حتى لا يكون هناك متنبئون جدد على وجه الأرض.

 

ادلجة المعروف و المنكر و الغاية منها :

و نظرا لارتباط مفهومي الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بالمنظومة الدينية في البلاد العربية الإسلامية، فإن الادلجة التي تستهدف المنظومة الدينية ككل تستهدف أيضا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

و المراد بالادلجة هنا هو جعل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر مجرد أفكار أيديولوجية معبرة عن مصالح طبقية معينة للذين ينصبون أنفسهم متكلمين باسم الدين، أو ينصبهم الحكام لتوظيف خدمة مصالحهم الطبقية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية حتى تتأبد سيطرتهم على المجتمع، أو يلجأون إلى ادلجة الدين لصالح تيار سياسي معين يوظف الدين لصالح السياسة في أفق إقامة الدولة الإسلامية التي تحمي و تساعد على تنمية مصالح مؤدلجي الدين لصالح السياسة.

و بناء على ما ذكرنا فإن ادلجة الدين بصفة عامة و ادلجة الدين الإسلامي بصفة خاصة تتخذ لها مجموعة من المستويات :

المستوى الأول : و يتمثل في تقمص التكلم باسم الدين كنتيجة للمعرفة بمضامين النصوص الدينية الكتاب و السنة، و عمل أهل المدينة ( يثرب) في عهد الرسول و ما اقره الرسول من أقوال أو أفعال، و ما قاله و مارسه الصحابة من منطلق أن أقوال الصحابة و أفعالهم تعتبر من السنة كما يشهد بذلك الحديث الذي يقول فيه الرسول : “أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم” دون غاية يقصدها الذي يتقمص الكلام باسم الدين، فلا يلجأ إلى التأويلات الأيديولوجية المغرضة إلا ما ورد عرضا مما يهدف إلى تحقيق المصالح الآنية والمستقبلية المادية و المعنوية للمتقمصين للكلام باسم الدين، و هو ما يعتبر البدايات الأولى للتوظيف الديني لتحقيق المصالح الفردية، ثم لتحقيق المصالح الطبقية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية و العمل على الاستمرار في ذلك التوظيف لتأبيد تحقيق المصالح.

و المستوى الثاني : و يتمثل في تحول المتكلمين باسم الدين إلى منتجين للأيديولوجية القائمة على تأويل النص الديني كنتيجة لتحول هؤلاء إلى مجرد موظفين لدى الطبقة الحاكمة، ليتمثل دورهم في إعطاء الشرعية الدينية لمختلف الممارسات التي تصدر عن الطبقة الحاكمة التي تكون عاجزة عن التأويل الأيديولوجي للنص الديني أو لحرصها على أن يكون ذلك من خارجها. و لذلك نجد أن هؤلاء المتكلمين باسم الدين يتحولون إلى حاملين لهاجس تبرير جميع الممارسات التي تقوم بها الطبقة الحاكمة و التكلف في التعامل مع النص الديني إلى درجة اختلاق أقوال تنسب إلى الرسول و إلى الصحابة لاعطاء الشرعية لممارسات تتناقض مع ما جاء في الكتاب و السنة و مع كرامة الإنسان كما أشار القرءان إليها و كما قررهما الله تعالى في سورة الإسراء ” و لقد كرمنا بني آدم” لأن الطبقة الحاكمة قد لا تكون مؤدلجة للدين الإسلامي و لكنها في حاجة إلى الشرعية الدينية لممارستها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، أو أنها قادرة على ممارسة الادلجة. و لكنها تريدها من خارجها، فتدفع المدعين الكلام باسم الدين إلى القيام بذلك مقابل العطاءات التي لا حدود لها، و الامتيازات التي لا تنحصر.

و الطبقة الحاكمة قد تكون إقطاعية أو بورجوازية تابعة، أو بورجوازية، أو بورجوازية صغرى، و جميع هذه الطبقات لا تستغني في حكمها عن الشرعية الدينية، نظرا لشيوع التدين في المجتمع من جهة، و لحاجة الطبقة الحاكمة إلى تضليل الجماهير بالشرعية الدينية، و لكون الجماهير المتدينة مستهدفة من قبل مؤدلجي الدين الإسلامي.

أما المستوى الثالث : فيتجسد في تحويل النص الديني إلى مصدر للإيديولوجية المعبرة عن توجه سياسي معين، و هذا التوجه يتوجه مباشرة إلى النص الديني و يؤوله حسب ما يراه على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، فيصير حسب هؤلاء المؤدلجين للدين الإسلامي كل شيء إسلاميا أو غير إسلامي. فهنا اللحية الإسلامية، و غير الإسلامية، و الاقتصاد الإسلامي و غير الإسلامي، و الدولة الإسلامية و غير الإسلامية و هكذا. و تأويلهم المعتمد على النص الديني يعتبر إسلاميا، و حزبهم المؤدلج للدين الإسلامي، يصير إسلاميا وهكذا. و حزب أو توجه من هذا النوع يعتبر التربة المناسبة لاستنبات التطرف الديني الذي لا يتوقف عند حدود ادلجة الدين الإسلامي، بل تتعداه إلى نقل الإيديولوجية الدينية إلى مستوى الممارسة.

و المستوى الرابع يتمثل في اعتبار النص الديني هو عينه الأيديولوجية، و هو البرنامج السياسي الذي يكون قابلا للتطبيق على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و هو إلى جانب ذلك يقبل بالتحول إلى منظمة “جهادية” لارغام المسلمين على تطبيق الشريعة الإسلامية، و كل من رفض يقام عليه “الحد الإسلامي” حتى و إن  تمثل في القتل و التصفية الجسدية. و هذه الممارسة هي التي يمكن تصنيفها في خانة الإرهاب.

و هذه المستويات الأربع لا تتناقض فيما بينها بقدر ما يكمل بعضها بعضا لاتفاقها في شيئين اثنين :

الأول     : هو المرجعية النصية الدينية التي تعمل على إمكانية إكساب كل من ينطلق منها صفة “الإسلامي”.

و الثاني : هو الهدف المتمثل في ادلجة الدين الإسلامي، و توظيف الدين و النص الديني لتحقيق أهداف سياسية تختلف اعتدالا و تطرفا من مستوى إلى آخر.

و لذلك نرى أن ادلجة الدين الإسلامي هي بداية هذه الكوارث التي أصابت العالم منذ شرع المسلمون في توظيف الدين و النص الديني لتحقيق أهداف سياسية محددة .

أما الغاية من ادلجة الدين الإسلامي فتتجسد في :

1) حماية المصالح الطبقية لمؤدلجي الدين الإسلامي سواء تعلق الأمر بمؤدلجي المصلحة الفردية، أو مؤدلجي الطبقة الحاكمة، أو مؤدلجي توجه سياسي معين أو العاملين على تحويل النص الديني إلى برنامج جهادي.

2) تضليل الجماهير الشعبية الكادحة عن طريق إيهامهم بأن ما يقوم به هؤلاء ليس إلا ترويجا للدين، و سعيا إلى نشره و حمايته حتى يستمر “قويا” و قادرا على حشد الناس حول المتكلمين باسم الدين، أو حول الطبقة الحاكمة التي تكتسب بتلك الادلجة الشرعية الدينية أو حول مؤدلجي توجه سياسي معين حتى يكون ذلك الحشد قوة له يعتمدها للوصول إلى مراكز القرار السياسي من اجل استغلالها لتكريس ادلجة الدين الإسلامي من مواقع معينة، و لزيادة عدد الاتباع الذين قد يعتمدون في أمور أخرى لها علاقة بالسيطرة على أجهزة الدولة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و استغلال تلك الأجهزة لفرض جعل المجتمع بكل طبقاته الاجتماعية لخدمة المصالح الطبقية للمنتمين لذلك التوجه السياسي أو حول الذين يحولون النص الديني إلى برنامج جهادي تحت شعار الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و انطلاقا من الحديث الذي يقول “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه و ذلك اضعف الإيمان” و هذا التغيير الذي دعا إليه الحديث هو الذي يعتمده هؤلاء ممارسة يومية “جهادية” قد تقود إلى التصفية الجسدية كما حصل مع العديد من القادة و المفكرين من أمثال الشهيد عمر بنجلون، و الشهيد فرج فودة، و الشهيد مهدي عامل، و الشهيد حسين مروة، و الشهيد سهيل طويلة و غيرهم ممن يتم تداول استشهادهم على يد هؤلاء “الجهاديين” في كل البلاد الإسلامية و حتى في أوربا و أمريكا، لأن هؤلاء يتكاثرون كالفطر، و لا ندر من يمدهم بالمال و السلاح، و المتفجرات، و لا من يدربهم على ذلك من اجل الوصول إلى الاستبداد بالمجتمعات ثم بالدول لتحقيق شعاراتهم التي تجعل الجميع ينخرط في خدمتهم، و تنفيذ شعارات “إقامة الدولة الإسلامية” من منطلق أن الإسلام دين و دولة و “تطبيق الشريعة الإسلامية” و الانصياع “لأولي الأمر” و بالقوة، و تحت تهديد السلاح المستمر لإقامة مجتمع المرهوبين الذين لا حول لهم و لا قوة سمتهم الخضوع المطلق، و دينهم الحياة اليومية و أداء الطقوس الدينية، و الانشغال باليوم الآخر، و نسيان ما يجري على ارض الواقع، لأنه قد يجر إلى إقامة الحدود المختلفة.

و في نظرنا فإن ادلجة الدين هي ممارسة أصولية انتهازية توظف الدين لحماية المصالح الطبقية، و تسعى إلى تأويل النص الديني بما يتلاءم مع تلك المصلحة لتضليل الكادحين، و قطع الطريق أمام إمكانية امتلاكهم للوعي الطبقي الحقيقي الذي يقود إلى الكشف عن طبيعة ادلجة الدين الإسلامي و عن الغاية من تلك الادلجة، و النضال ضد مؤدلجي الدين الإسلامي الذين يسعون إلى تضليل المجتمع ككل و تغييبه عن واقعه و تحويل الدين الإسلامي المستنير، عن طريق ادلجته إلى أفيون الشعوب العربية و الإسلامية تماما كما فعلت الكنيسة الكاثوليكية في القرون الوسطى. لأن تحويل الدين الإسلامي المستنير و المحرض على استعمال العقل، و الحاث على احترام كرامة الإنسان “و لقد كرمنا بني آدم” كما جاء في سورة الإسراء، إلى أفيون الشعوب العربية و الإسلامية حتى يسهل الانقضاض عليها هو الغاية التي يسعى إليها مؤدلجو الدين الإسلامي.

 

معيار المعروف و المنكر، و معيار الادلجة :

فما هي المعايير التي يمكن اعتمادها للتمييز بين المعروف و المنكر من جهة ؟ و بينهما و بين ادلجتهما من جهة أخرى ؟

إننا بدون الوقوف على المعايير لا نستطيع الوقوف على حقيقة المعروف، و لا على حقيقة المنكر، و لا على حقيقة الادلجة، و الوقوف على المعايير صار ضرورة ملحة لانزال مفهوم المعروف و مفهوم المنكر من السماء إلى الأرض و للكشف عن خلفيات ادلجة المعروف و ادلجة المنكر.

و نحن عندما وقفنا على مفهوم المعروف و قاربنا حقيقته و وضحنا نسبيته تعرضنا بطريقة غير مباشرة إلى معايير المعروف التي يمكن تصنيفها في :

1) المعيار اللغوي/النحوي/الصرفي الذي يحدد لنا دلالة و مفهوم المعروف فهو اسم مفعول من عرف يعرف معرفة فهو عارف، و معروف، بمعنى علم به، و اطلع عليه، و تعرف على خصائصه . فصار بذلك من المعارف التي يتداولها الناس فيما بينهم بتلك الخصائص التي تميزه عن سائر المعارف الأخرى.

و عرف يمكن أن يصير تعرف بزيادة التاء في بداية الفعل فيكون على وزن تفعل الذي يجعل المعروف معروضا بين الناس يرونه فيعملون على التعرف على خصائصه دون بذل أي مجهود للبحث و التنقيب، و دون حاجة إلى امتلاك أدوات المعرفة التي تساهم في إكساب الإنسان القدرة على المعرفة فيصير معروفا.

و المعروف اسم المفعول الذي يفيد معنى كل ما وقع عليه فعل الفاعل، سواء كان مقصودا أو غير مقصود، و نرجح هنا أن المعروف يقع عليه فعل الفاعل بدون قصد يذكر.

و المعروف يكون أيضا بمعنى المتداول، و المتواتر بين الناس، و الذي لا نبذل أي جهد في البحث عنه حتى نقف على حقيقته.

و المعروف كمفهوم لغوي، معجمي قائم في اللغة منذ وجدت اللغة العربية، و اللغة في حد ذاتها هي كل ما اصطلح الناس على استعماله للتواصل فيما بينهم، مما يجعلها حاضرة في البعد الاجتماعي منذ وجدت اللغة و إلى الآن، و لكونها كذلك تتحول إلى لغة للمعرفة و البحث و العلم و أشياء أخرى.

و المعروف يصير هدفا و وسيلة في نفس الوقت، و هو هدف لأن الناس جميعا يسعون إليه فيستفيدون منه في حياتهم العامة و الخاصة، الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و هو وسيلة لأنه يتم الارتكاز عليه في بناء المعارف المختلفة التي لها علاقة بالمجتمع.

و حسب هذا التحليل الذي نراه علميا، فإن المعروف يكتسب دلالة اجتماعية، فلا شيء اسمه المعروف بدون وجود المجتمع، و هو وحده الذي يعرف، و ما دام معروفا فهو اجتماعي بالضرورة لأن كل أفراد المجتمع يعرفونه.

2) و المعيار الثاني هو المعيار الاجتماعي لأنه هو المعني به، و هو المستهدف بالمعروف و بنتائجه، و اجتماعية المعروف هي التي تجعل دلالته تختلف من مرحلة تاريخية معينة إلى مرحلة أخرى. فالمعروف في المجتمع المشاعي ليس هو المعروف في المجتمع العبودي، و ليس كما هو في المجتمع الإقطاعي، أو في المجتمع الرأسمالي، أو في المجتمع الاشتراكي، و هكذا. و هذه الاجتماعية هي نفسها التي تجعل دلالته تختلف من طبقة إلى أخرى. لأن المعروف عند الأسياد ليس كما هو عند العبيد و المعروف عند الإقطاعيين ليس كما هو عند الاقنان، و المعروف عند البورجوازية التابعة يختلف عنه عند البورجوازية الوطنية كما يختلف عنه عند البورجوازية الصغرى. و المعروف عند الطبقة العاملة  يختلف عنه عند الفلاحين كما يختلف عنه عند الحرفيين و عند التجار الصغار، و عند العاطلين. و العلاقات الاجتماعية التي تعتبر امتدادا لعلاقات الإنتاج السائدة في مجتمع معين هي التي تعطي لدلالة المعروف ذلك الاختلاف المتنوع من تشكيلة إلى تشكيلة أخرى … وهكذا.

3) المعيار الديني/العقائدي الذي يتحدد بواسطته مفهوم المعروف المختلف من ديانة إلى أخرى، و من مذهب إلى آخر داخل الديانة الواحدة. و هو ما يقتضي إعطاء المعروف دلالة معينة في الديانة اليهودية، و دلالة أخرى في الديانة المسيحية، و دلالة ثالثة في الديانة الإسلامية، و هكذا. و داخل كل ديانة نجد مذاهب مختلفة، و لكل مذهب مفهومه للمعروف، و على سبيل المثال فالمعروف عند المالكية، ليس كما هو عند الحنفية، و ليس كما هو عند الشافعية، و ليس كما هو عند الحنابلة. و بالنسبة للمذاهب السياسية التي انبثقت عن الدين بسبب ادلجته، نجد أن المعروف عند الشيعة يختلف عن شيعة بني أمية، كما يختلف عنه عند السنيين، و عند الخوارج… و هكذا. و المعروف عند الاشاعرة ليس كما هو عند المعتزلة … و هكذا في كل ديانة. لأن علاقة الدين بالمجتمع أو اجتماعية الدين هي التي فرضت ذلك. و ما قلناه عن الديانات الكبرى ينطبق على المعتقدات الخرافية التي تتعايش مع الأديان في المجتمعات البشرية. كما ينطبق على الديانات الوثنية التي لازالت تتواجد في العديد من المجتمعات البشرية المعاصرة.

4) المعيار الثقافي الذي يقتضي اختلاف الثقافات و المكونات الثقافية من مجتمع إلى آخر، و هو ما يجعل مفهوم المعروف يختلف من ثقافة إلى أخرى، ومن مكون ثقافي إلى آخر .

فمفهوم الثقافة للمعروف في التشكيلة العبودية يختلف عن مفهومها له في التشكيلة الإقطاعية. و قد لعبت الثقافة دورا كبيرا في تشكيل مفهوم المعروف في التشكيلة الرأسمالية الذي يختلف عن مفهوم كل طبقة اجتماعية للمعروف، بحيث نجد أن ثقافة الأسياد تشكل مفهومهم الخاص للمعروف، و ثقافة العبيد تشكل مفهوما مخالفا عندهم. و كذلك الأمر بالنسبة لطبقة الإقطاع، و طبقة الاقنان في التشكيلة الإقطاعية، و طبقة البورجوازية و الطبقة العاملة في التشكيلة الرأسمالية، و بقايا كل طبقة في التشكيلة الاشتراكية.

و دور الثقافة في تشكيل مفهوم الأحزاب للمعروف يبقى حاضرا لذلك نجد أن ثقافة الحزب الإقطاعي تنتج مفهوما خاصا للمعروف، و ثقافة الحزب البورجوازي تنتج مفهوما مختلفا للمعروف. و كذلك حزب البورجوازية الصغرى، و حزب الطبقة العاملة الذي يستميت من اجل نشر ثقافته الخاصة في المجتمع، و هي تلعب دورا كبيرا في المفهوم الأكثر تقدما للمعروف. و كذلك الأمر بالنسبة للحزب اليميني المتطرف، و الحزب اليساري المتطرف و هكذا.

و اختلاف طبيعة الثقافة من فرد إلى فرد في أي مجتمع تجعل كل فرد يحمل فهما مختلفا عن الأفراد الآخرين في المجتمع حتى و إن كانت الثقافة العامة واحدة.

و في نظرنا فإن الثقافة باعتبارها المجال المنتج للقيم، و الناقل لتلك القيم من عصر إلى عصر آخر و من بلد إلى آخر تبعا لانتقال الأشخاص و البضائع و توسع وسائل الإعلام، تشكل المجال الأخطر في حياة البشر. فهي إما أن تجعلهم يمتلكون وعيا متقدما و متطورا يجعلهم يمتلكون فهما متقدما و متطورا للمعروف إذا كانت الثقافة تقدمية، و إما أن تجعلهم يتراجعون إلى الوراء، و يمتلكون وعيا رجعيا متخلفا، يجعلهم يمتلكون فهما رجعيا و متخلفا للمعروف. و هي لذلك بمثابة الأمل في الحياة بالنسبة لجميع التشكيلات، و لجميع الطبقات، و لجميع أفراد المجتمع لأن قيام الثقافة بصياغة المعروف في مختلف المستويات ليس إلا صياغة للأمل في نفس الوقت. لأن كل طبقة و كل فرد في طبقة له فهم محدد للمعروف يعتبره أملا يحكم مصيره. و بذلك نجد أن مفهوم المعروف يحدد مصير الإنسان الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي لا في الحياة الأخرى كما يبشر بذلك مؤدلجو الدين الإسلامي بل في الواقع كما هو متصور في كل طبقة انطلاقا من أحلام كل طبقة على حدة حسب ما تقتضيه مصالحها الطبقية. و كما يتصوره كل فرد  انطلاقا من حاجياته المادية و المعنوية. وصولا إلى الحكم بتحقيق الأمان و الاستقرار بعيدا عن ممارسة كل أشكال الصراع التي تعرفها المجتمعات و التي تهدد مصائر الطبقات الاجتماعية و الأفراد.

و كذلك عندما وقفنا على حقيقة المنكر، و قاربنا تلك الحقيقة، و وضعنا نسبيتها، تعرضنا بطريقة غير مباشرة إلى معايير المنكر التي نرى تصنيفها في :

1) المعيار اللغوي النحوي الصرفي الذي يحدد دلالة المنكر المأخوذ من أنكر ينكر إنكارا بمعنى غير معروف، و المنكر اسم مفعول على وزن مفعل من افعل، و المنكر كل ما كان و مازال مجهولا من قبل عامة الناس و خاصتهم. إلا أن مجازية اللغة تقتضي أن يكتسب مفهوم المنكر معنى مجازيا.و هذا المعنى المجازي هو الذي يقتضي أن يتضمن مفهوم المنكر كل ما لا يوافق الناس على فعله فيسعون إلى أن يصير غير معروف في المجتمع. و نظرا لأن اللغة ذات بعد اجتماعي، فإن ما يصطلح المجتمع على تسميته بالمنكر يصير منكرا. فاللغة الحاملة للقيم التي يقبلها الناس، فتصير معروفا يعمل الناس على ممارسته دون أي حرج يذكر، و تعمل في نفس الوقت على إخفاء القيم، أو نفيها لكونها تقف وراء إنتاج أفعال تعتبر غير مقبولة من قبل المجتمع لاعتبارها مضرة بالمسلكية العامة التي تكون محكومة بالعادات و التقاليد و الأعراف التي تحدد ما هي المسلكيات التي تدعونا إلى القيام بها، و ما هي المسلكيات التي يجب تجنبها. و بالتالي فاللغة تتقمص ما يكون مقبولا اجتماعيا فترفضه، و ما يكون مرفوضا اجتماعيا فتعمل على إخفائه نظرا لحاجة المجتمع إلى اللغة كحامية للقيم المختلفة، و لقيام اللغة على أساس وجود مجتمع يستعملها في التواصل بين جميع أفراده و يوظفها في التواصل مع مجتمعات أخرى.

2) المعيار الاجتماعي لكون المجتمع هو المعني بتجنب القيم التي تقف وراء فعل ما لا يقبل  الناس على فعله باعتباره منكرا… و كما رأينا في المعروف فإن دلالة المنكر تختلف من مرحلة اجتماعية تاريخية إلى مرحلة اجتماعية تاريخية أخرى منذ بداية التاريخ إلى يومنا هذا … و بداية التاريخ في رأينا ترتبط بانقسام المجتمع إلى طبقات طبقة مستغلة، و طبقة مستغلة، و ما قبل بداية التاريخ لا يمكن الحديث عن شيء اسمه المنكر لأن أفعال الإنسان الذي يرتبط بالطبيعة كباقي الكائنات الحية و الحيوانية، لا يمكن اعتبارها إلا معروفا لانتفاء المقاييس المعتمدة للتمييز بين المعروف و المنكر، بل إن المعروف نفسه لا يمكن الحديث عنه لانتفاء المنكر و لانسياق الإنسان في ذلك الوقت وراء الأفعال الموجهة من قبل الغرائز التي تجمعه مع باقي الحيوانات الأخرى، و لذلك فالمنكر في مفهوم التشكيلة الاجتماعية العبودية ليس هو المنكر في التشكيلة الاجتماعية الرأسمالية، و ليس هو المنكر في التشكيلة الاشتراكية. فإذا تحققت التشكيلة الشيوعية، فالحديث عن المنكر فيها يصبح صعبا لانتفاء الطبقات و الصراع الطبقي في هذه التشكيلة التي يمكن اعتبارها هي نهاية التاريخ. و كامتداد لهذا المعيار الاجتماعي نجد أن مفهوم المنكر يختلف من طبقة إلى أخرى و في جميع التشكيلات الاجتماعية الطبقية. و لذلك نجد أن مفهوم المنكر في نظر الأسياد ليس هو مفهوم المنكر عند العبيد، و مفهوم المنكر عند الإقطاعيين ليس كمفهوم المنكر عند الاقنان، و مفهوم المنكر عند البورجوازية ليس كمفهومه عند العمال، و مفهوم المنكر في نظر البورجوازية الصغرى يختلف عن مفهوم المنكر عن العاطلين، و مفهوم المنكر عند الفلاحين ليس كما هو عند التجار الصغار و المتوسطين. وهكذا و انطلاقا من هذا التنوع في الفهم نجد ان المنكر هو مفهوم اجتماعي تتدخل في بلورته عوامل اجتماعية مختلفة حتى بين أفراد الطبقة الواحدة لارتباطه بما يتعارض مع المصلحة الفردية و الجماعية و الطبقية في نفس الوقت، سواء كانت هذه المصلحة اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو مدنية أو سياسية، و سواء تعلق الأمر بالمستوى المحلي أو الإقليمي أو الجهوي أو الوطني أو القومي أو العالمي. لأن في هذه المستويات جميعا يتفاعل الخصوصي مع العام، و المحلي مع الوطني، و الوطني مع القومي و العالمي، و هكذا.

3) المعيار الديني/ العقائدي الذي يتحدد فيه المنكر إما من منطلق ما هو وارد في النص الديني أو من منطلق الخرافات التي يعتقدها الناس أو التي أصبحت جزءا من دين معين. و لذلك نجد أن المنكر في الديانات الوثنية، ليس هو المنكر في الديانة اليهودية، و ليس هو المنكر في الديانة المسيحية، و ليس هو المنكر في الإسلام لاختلاف المراحل التي ظهرت فيها الديانات المختلفة، و لكون الدين يرتبط بظهور تشكيلة اجتماعية تأتي اكثر تطورا مما قبلها. و هكذا فالدين أيضا يأتي اكثر تطورا من الدين السابق. و نحن لا نستطيع أن نسوي بين الأديان جميعا كما لا نستطيع أن ننفي كونها تتطور للاختلاف الواضح القائم بين المراحل التي ظهرت فيها الأديان، و بين الأديان نفسها لأن كل مرحلة تتميز بحداثة معينة. و لكون كل دين جاء بجديد يتناسب مع تلك الحداثة  و هو ما يكسب الدين أي دين بعدا اجتماعيا. أما الخرافة فتبقى معتقدات من ابتداع الناس لا علاقة لها بالدين، بقدر ما ترتبط بجهل الناس للمعرفة بصفة عامة، و لجهلهم بالمعرفة العلمية بصفة خاصة. فالتربة الخصبة التي تنتشر فيها الخرافة هي تربة انتشار الأمية بين الناس. و نحن لا يمكن أن نجزم بانتشار الخرافة بين المتعلمين الحاملين للمعرفة العلمية إلا إذا تحولت الخرافة إلى أيديولوجية معبرة عن مصالح الطبقة الموظفة للخرافة، فيصير المنكر هو كل ما تعارض مع ادلجة الخرافة.

4) المعيار الثقافي الذي يتم الإقرار فيه باختلاف الثقافات، و باختلاف المكونات الثقافية. و انطلاقا من هذا الاختلاف القائم في الواقع نجد أن مفهوم المنكر يختلف من ثقافة إلى ثقافة أخرى في إطار التشكيلة الاجتماعية الواحدة نظرا للدور الثقافي في تشكيل القيم الإنسانية الإيجابية و السلبية مما يؤثر على تشكيل مفهوم المنكر. و بناء على تنوع الثقافات و تنوع القيم المنبثقة عنها. فإننا نجد أن ثقافة الأسياد، و ثقافة العبيد تنتج مفهومهم الخاص للمنكر، و ثقافة الإقطاع تحدد ما هو منكر عند الإقطاعيين، و ثقافة الاقنان تشكل مفهومها للمنكر. و بالنسبة للبورجوازيين فإن ثقافتهم تحدد مفهومهم للمنكر الذي يتناسب مع وضعيتهم كمالكين لوسائل الإنتاج في إطار التشكيلة الرأسمالية، و هو مفهوم يتناقض مع مفهوم الطبقة العاملة. و نظرا لطبيعة الطبقات الوسطى في المجتمع، و اختلاف هذه الطبيعة من تشكيلة اجتماعية إلى تشكيلة اجتماعية أخرى، فإن هذه الطبقات يختلف مفهومها للمنكر من عصر لآخر، و من تشكيلة اجتماعية إلى أخرى، بل إن هذا الاختلاف يمتد ليشمل الفئات المختلفة التي تتكون منها هذه الطبقات بل إن هذا الاختلاف في فهم المنكر يمتد ليشمل أفراد كل فئة على حدة نظرا لتعارض المنكر مع المصالح الفردية كما يتعارض مع المصالح الطبقية.

و إذا كانت هذه الثقافة ظلامية، فإن فهمها للمنكر لا يكون إلا ظلاميا، نظرا للعلاقة الوطيدة بين الثقافة و الإيديولوجية.

و في نظرنا، فإن هذا الاختلاف في مفهوم المنكر القائم على الاختلاف الثقافي من مرحلة تاريخية إلى مرحلة تاريخية أخرى، و من طبقة اجتماعية إلى طبقة اجتماعية أخرى يفرض استحضار المعايير التي أشرنا إليها. مما يؤكد أن كل شيء يتحول في هذا الكون. و هذا التحول هو الذي يقود إلى القول بأن ما كان معروفا في مرحلة معية و في مجتمع معين صار منكرا في مرحلة أخرى و في مجتمع آخر. و ما كان منكرا قد يصير معروفا، و هو ما يؤكد نسبية المفهوم أي مفهوم، و نسبية المنكر أي منكر، لارتباطهما معا بالشروط الموضوعية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و بالشروط الذاتية للأفراد و الطبقات الاجتماعية، و هو ما يقطع الطريق أمام الاطلاقية التي يتمسك بها أدعياء الكلام باسم الدين الإسلامي و مؤدلجوه الذين يعيشون بأفكارهم و بممارستهم خارج التاريخ و من كان يعيش خارج التاريخ فهو يشكل حالة مرضية تقتضي المعالجة التي لا تكون إلا بامتلاك الوعي الطبقي الحقيقي الذي يقود إلى تكريس الصراع الطبقي الحقيقي الذي ينفي كل أشكال الوعي المتخلف التي لا تستحضر اجتماعية المعروف و المنكر، و نسبيتهما، كما لا تستحضر المعايير التي نراها ضرورية لتشكيل القيم التي تحدد مفهوم المعروف و مفهوم المنكر في تشكيلة اجتماعية و في كل مكان.

و بالنسبة لمعايير ادلجة المعروف و ادلجة المنكر فإننا نجد أن المعايير التي أشرنا إليها و المتعلقة بالمعروف أو المنكر هي نفسها معايير الادلجة، لأن المعيار اللغوي و المعيار الاجتماعي، و المعيار الديني، و المعيار الثقافي كلها تتدخل لتحديد طبيعة ادلجة المعروف، و ادلجة المنكر، و درجة تلك الادلجة و من يقف وراءها ؟ و من المستهدف بها ؟ و لماذا ؟

و إذا كانت الادلجة هي جعل فكر معين يعبر عن مصالح طبقية معينة بعد إدخال التعديلات عليه بما يتناسب مع مصالح الطبقة أو الفئة المؤدلجة للدين الإسلامي بالخصوص الذي تعتبر ادلجة المعروف و ادلجة المنكر امتدادا له. فإن ادلجة المعروف، و ادلجة المنكر تجعل المصالح الطبقية للمؤدلجين تزداد التصاقا بحياة الناس و بمصيرهم. لأن كل ما يخدم تلك المصلحة يصير معروفا، و ما يتناقض معها يتعارض مع مصالح الناس جميعا و هكذا. و الواقع أن المصلحة لا تكون إلا فردية أو فئوية أو طبقية. لذلك يكون الأفراد و الفئات و الطبقات في حاجة إلى خطاب أيديولوجي لتضليل الكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة بالخصوص، حتى تتحقق مصالح الأفراد و الجماعات و الطبقات. و الطبقة الوحيدة التي يعبر خطابها الأيديولوجي عن مصلحة جميع الكادحين هي أيديولوجية الطبقة العاملة التي توظف كل أساليب التضليل الأيديولوجي لاستعداء الناس ضد أيديولوجية الطبقة العاملة بما فيها ادلجة الدين الإسلامي.

و الطبقات الاجتماعية التي تستغل المجتمع، و لا تقوى أيديولوجيتها على تضليل الناس، و تعميم ذلك التضليل وتعميقه هي التي تلجأ إلى ادلجة الدين الإسلامي للاستقواء بتلك الادلجة التي يعتبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر امتدادا لها.

وجعل ادلجة المعروف والمنكر تعبيرا عن المصلحة الطبقية يعتبر معيارا آخر يضاف إلى المعايير السابقة حتى تتكرر ادلجة المعروف وادلجة المنكر قيمة راسخة من قيم المجتمع ويصير المعروف والمنكر مطلقين اطلاقية الأيديولوجية نفسها . باعتبار الاطلاقية أيضا  من معايير ادلجة المعروف والمنكر، وكون تلك الاطلاقية ذات بعد ديني يعتبر معيارا أيضا يضاف إلى ما سبق. بالإضافة إلى معيار تعميم ادلجة المعروف والمنكر على التاريخ الذي لا يتشكل بمنطق التطور بقدر ما يتشكل بمنطق الاطلاقية نفسها، وعلى الواقع الذي يتشكل بدوره بقوة المنطق ، وعلى المستقبل الذي ننتظره بنفس  المنطق.

وفي نظرنا فإن ادلجة المعروف وادلجة المنكر هي ممارسة يومية تضليلية                                                          للكادحين بصفة عامة، و للطبقة العاملة بصفة خاصة من اجل تسخيرهم وباسم الدين لخدمة المصالح الطبقية لكل من يعمل على تكريس تلك الادلجة التي لا تقاوم  إلا بقيام وعي طبقي حقيقي يجعل الكادحين يدركون ما يمارس عليهم من استغلال ، و ما هي الآلية المتحكمة ، وكيف تتم مواجهتها،وما العمل من اجل وضع حد للادلجة المبثوثة باسم الدين حتى ينكشف الاستغلال الممارس على الكادحين . ويدرك الكادحون ماذا يجب عمله للحد من تفاحشه، ثم العمل على القضاء عليه لتحقيق الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وهي أهداف لا تتحقق إلا في ظل النظام الاشتراكي الذي لا مجال فيه لادلجة الدين الذي يصير مصدرا للقيم الروحية التي يحتاج إليها الناس في حياتهم الروحية، و تعبير عن الجوانب الروحية لحياة الناس الذين يتمتعون بكامل الحرية في ممارسة شعائرهم الدينية. وما ذلك إلا لوجود أناس لا يعانون من القهر والاضطهاد الطبقيين،  و لا يمارس عليهم الاستغلال وليسوا في حاجة إلى ادلجة الدين أي دين لتضليل أنفسهم لأنه لا يوجد في المجتمع الاشتراكي من يمارس التضليل، وهو ما يجب أن يسعى إليه الكادحون في جميع أنحاء العالم.

 

ضرورة تحديد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :

     وقد تعودنا من الطبقات الحاكمة في البلاد العربية ، وعن باقي  بلدان المسلمين أن تقوم بإنشاء هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي هيئات مخابراتية بوليسية تتخذ  من النص الديني ومن ادلجة الدين منطلقا ومرشدا لتحديد مفهوم المعروف ، ومفهوم المنكر.   والعمل على تتبع المسلكية العامة والفردية لتقويم تلك المسلكية ، والعمل على الأمر بما يتناسب مع الدين الإسلامي و ” الشريعة الإسلامية ” مما يعتبرونه معروفا ،   وعلى النهي عن ما لا يتناسب مع الدين الإسلامي، ومع   “الشريعة الإسلامية “باعتباره منكرا .والواقع أن ما تقوم به هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما هو إلا ممارسة لفرض تعميم ادلجة الدين الإسلامي وتحت تهديد السلاح ، وبواسطة القوة . وهو ما صار يسمى بالإرهاب وهو ممارسة تحتاج منا إلى إخضاعها من نقاش هل ما يحدث باسم الدين يعتبر إرهابا ؟ وهل ذلك الإرهاب منكرا ؟ وهل هو “جهاد” وهل هو معروف؟

و هيئات  الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر القائمة في البلاد العربية، و باقي بلدان المسلمين، هل لازالت صالحة للقيام بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و حسب الفهم الذي تحدده هي ؟

إننا في بداية معالجتنا لمفهوم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر وصلنا إلى خلاصة أن المفهومين معا لهما علاقة بما هو اجتماعي. الأمر الذي اكسبهما دلالة متنوعة يعتبر مفهوم النص الديني للمعروف و المنكر أحدها، و انطلاقا من هذا التلون في الدلالة فإن دور الهيئات المشكلة من قبل الطبقات الحاكمة في البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين لم يعد فاعلا في الواقع بقدر ما صار يمهد الطريق أمام تفريخ و نمو الإرهاب لقيام تلك الهيئات على أساس توظيف النص الديني في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و ما دام لم يعد فاعلا، فإن دور هيئات الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أصبحت متجاوزة و أن على الطبقات الحاكمة أن تسعى إلى إحداث ديمقراطية حقيقية. بأبعاد اقتصادية و اجتماعية و ثقافية و مدنية و سياسية ينبثق عنها دستور ديمقراطي متلائم مع المواثيق الدولية في كل بلد عربي، و في أي بلد من باقي بلدان المسلمين، و انتخاب مؤسسات تمثيلية محلية و إقليمية و جهوية و وطنية تكون مهمتها تشريع القوانين و اتخاذ القرارات و تنفيذها بواسطة الأجهزة التنفيذية التي تشكل أغلبية كل برلمان في كل بلد عربي و في كل بلد من باقي بلدان المسلمين.

و يمكن اعتبار الهيئات المنتخبة في كل بلد بمثابة هيئات الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و يتمثل ذلك في سعيها إلى ملاءمة القوانين و القرارات و الممارسات التي تقوم بها مع المواثيق الدولية المتعلقة بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، لأن التمتع بمختلف الحقوق يعتبر معروفا و الحرمان منها يعتبر منكرا. و بالتالي فإن تلك الهيئات التي تسير في هذا الاتجاه تعتبر منتجة للقيم الإيجابية، و نافية للقيم السلبية. و هو أمر يدخل في إطار الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر والديموقراطية الحقيقية التي تفرز هذه المؤسسات التي نعتبرها بمثابة هيئات الامر بالمعروف والنهي عن المنكر  لا تقوم في الواقع إلا بإعادة النظر في الدساتير المعتمدة في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين عن طريق تحويلها إلى دساتير ديمقراطية تضمن سيادة الشعب على نفسه، و اعتمادها لسن قوانين انتخابية ، تضمن نزاهة الانتخابات لافراز مؤسسات تمثيلية محلية و إقليمية و وطنية و جهوية، تعكس الإرادة الحقيقية للشعوب في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين حتى تتكرس سيادة الشعوب على ارض الواقع، و يصبح من يشرع و ينفذ، و يحكم من اختيار الشعب، و بإرادته حتى تكون هناك ديمقراطية حقيقية فعلية من الشعب و إلى الشعب، تتحقق في إطارها الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية.

و إلى جانب الهيئات التشريعية و التقريرية و التنفيذية هناك هيئات جماهيرية يمكن اعتبارها هيئات للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر كالجمعيات الثقافية، و التربوية و الترفيهية و التنموية و الحقوقية.

فالجمعيات الثقافية تهتم بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر عن طريق العمل على إشاعة الثقافة  المنتجة للقيم الإيجابية و العمل على مناهضة الثقافة المنتجة للقيم السلبية حسب ما هو متعارف عليه في المجتمعات المعنية بالثقافة. فالثقافة  المنتجة للقيم الإيجابية هي ثقافة المعروف الذي يجب الأمر به، و الثقافة المنتجة للقيم السلبية هي ثقافة المنكر الذي يجب النهي عنه على مستوى كل مجتمع في البلاد العربية، و في باقي بلدان المسلمين.

و الجمعيات التربوية تهتم بإشاعة تربية التحرر و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية بين الأجيال الصاعدة باعتبار تلك التربية معروفا. و تعمل على مناهضة الأشكال التربية المتخلفة التي تعد أجيالا خاضعة و خانعة، و قابلة لكل أشكال الاستعباد و الاستغلال الممارسة عليها، مما يدخل في إطار المنكر الذي يجب النهي عنه. بالإضافة إلى مطالبتها بإعادة النظر في النظام التربوي و السائد في كل بلد على حدة  من اجل شرعنة تربية هادفة و معدة للناشئة التي تتحمل مسؤوليتها كاملة في المحافظة على إنتاج القيم التربوية المفيدة للمجتمع، و تناهض إنتاج القيم التي تشكل خطرا على مستقبل الأجيال الناشئة.

و بالنسبة للجمعيات الترفيهية فإننا نجد أنها تعمل على اختيار الأشكال الترفيهية التي تساعد على إنتاج قيم الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية، و مناهضة كل أشكال الترفيه المنتجة للقيم المضرة بمستقبل الأجيال، حتى يتطهر المجتمع منها، و تصير الحياة خالية من كل ما يساعد على عودتها، و يحتضن الناس ضد كل ما يؤدي إلى إلحاق الضرر بالمجتمع، مما قد يكون وافدا على البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين.

أما الجمعيات التنموية فإنها تسعى إلى إعداد مشاريع اقتصادية و اجتماعية و ثقافية تساهم في تنمية المجتمع و تساعد على تطوره انطلاقا مما هو متعارف عليه، و يتناسب مع الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية السائدة في كل بلد على حدة مما يمكن اعتباره معروفا، و تعمل في نفس الوقت على مناهضة المشاريع التنموية التي تساهم في إنتاج القيم المتخلفة في المجتمع مما ينعكس سلبا على جميع المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية و هو ما يمكن اعتباره منكرا لمخالفته ما هو سائد في مجتمعات البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين.

و في ما يخص الجمعيات الحقوقية فإنها تعمل على إشاعة حقوق الإنسان كما هي في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، و في المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و في ميثاق إلغاء حقوق الطفل و غيرها من المواثيق الدولية الصادرة عن المنظمات الحقوقية الدولية و القومية و الوطنية مما يمكن اعتباره معروفا لمناسبته لتحقيق كرامة الإنسان. و تعمل في نفس الوقت على مناهضة جميع الخروقات التي تستهدف حرمان الناس من حقوقهم الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية باعتبار تلك الخروقات منكرا يمارسه المسؤولون على جميع المستويات الوطنية و الإقليمية و المحلية في كل بلد من البلدان العربية و من  باقي  بلدان المسلمين على حدة.

و بذلك يتبين لنا إلى أي حد تلعب الجمعيات دورا في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر انطلاقا مما هو متعارف عليه في كل مجتمع على حدة من جهة، و انطلاقا من حركة الواقع المتحول باستمرار من جهة أخرى و إلى جانب الجمعيات هناك النقابات التي تلعب دورها في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر عن طريق تنظيم الطبقة العاملة و باقي المأجورين و إعدادها برنامجيا، و نضاليا لانتزاع مكاسب تؤدي إلى تحسين أوضاعها المادية و المعنوية الذي يعتبر معروفا من وجهة نظر النقابة، و محاربة كل الممارسات التي تؤدي إلى حرمان الطبقة العاملة و سائر الاجراء من الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، الأمر الذي يعتبر من وجهة نظر النقابة منكرا تجب محاربته عن طريق النضال النقابي.

و المعروف النقابي الذي تسعى النقابة إلى تحقيقه عن طريق النضال النقابي المرير يتجسد في :

1) المعروف الاقتصادي المتمثل في النضال من اجل رفع مستوى الأجور بما يتناسب مع متطلبات الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، لأن عدم رفع الأجور حتى تكون مستجيبة لمتطلبات الحياة يعتبر منكرا.

2) المعروف الاجتماعي الذي يمكن العمال و الأجراء من التمتع بالحق في التعليم و الصحة و السكن لهم و لأبنائهم بما يتناسب و ما حصل من تطور في الواقع الاجتماعي من اجل حفظ الكرامة الإنسانية لدى العمال و الأجراء. فإذا حرم العمال و الأجراء من ذلك، فإن ذلك الحرمان يعتبر منكرا تجب مقاومته نقابيا إلى أن يزول.

3) المعروف الثقافي الذي يقتضي تمكين العمال و سائر الأجراء من الثقافة المنتجة للقيم التي تدفعهم إلى الاعتزاز بالطبقة التي ينتمون إليها و العمل على حفظ الكرامة الطبقية الفردية و الجماعية، و الحرمان من تمكين العمال من ثقافتهم المناسبة لهم يعتبر منكرا يجب النهي عنه بالطريقة النقابية المتمثلة في النضال النقابي.

4) و المعروف المدني الذي يتمثل في النضال من اجل تمتيع جميع العمال و الأجراء بحقوقهم المدنية، و مناهضة كل الخروقات التي تستهدف هذه الحقوق في إطار برنامج للنضال النقابي.  تلك الخروقات التي تعتبر منكرا تسعى النقابة إلى محاربته.

5) و المعروف السياسي الذي يتجسد في النضال من اجل تمتيع العمال بجميع حقوقهم السياسية كحق التعبير عن الرأي، و حق الانتماء النقابي و الحزبي، و حق الترشيح و التصويت، و تحمل المسؤولية الجماعية و الحكومية و غيرها على أساس المساواة فيما بين المواطنين في هذا المجال. و العمل على مقاومة كل الخروقات التي تستهدف جميع الحقوق السياسية للعمال و الأجراء و التي تدخل في إطار المنكر كما تتصوره النقابة.

و بالإضافة إلى النقابات هناك الأحزاب السياسية التي لها مفهومها الخاص للمعروف و المنكر، و التي تشكل بدورها هيئات للمعروف الذي يتمثل في البرامج السياسية كما تراها قابلة للتحقيق، و المنكر الذي تراه فيما يتعارض مع تلك البرامج مما يجب مناهضته و التصدي له بجميع الإمكانيات. و بناء على هذا التصور فإن كل حزب يشكل هيئة للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

فالحزب الإقطاعي يرى  المعروف في البرامج التي تسعى إلى تحقيق المصالح الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. كما يرى المنكر في البرامج المتعارضة معها، و التي تناسب الاقنان الذين يستغلهم الإقطاعيون.

و الحزب البورجوازي التابع يرى المعروف في حماية مصالح هذه الطبقة التي ترتبط بالمصالح الرأسمالية العالمية و تنمية تلك المصالح وفق برنامج محدد يعمل الحزب على تحقيقه على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و مواجهة ما يتعارض مع تلك البرامج، و بكافة الوسائل..لأن ما يتعارض مع مصالح البورجوازية التابعة يدخل في إطار المنكر كما تراه.

و الحزب البورجوازي الوطني الذي يرى المعروف في تحقيق برنامج يعمل على حماية مصالح البورجوازية الوطنية القائمة على أساس بناء اقتصاد وطني متحرر من التبعية، و لكنه في نفس الوقت اقتصاد ليبرالي. و يرى هذا الحزب المنكر في كل ما يتعارض مع ذلك البرنامج مما يؤدي إلى ربط الاقتصاد الوطني بالمؤسسات المالية الدولية، أو يؤدي إلى تحقيق الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج.

و حزب البورجوازية الصغرى الذي يرى المعروف في كل ما يساعد على تحقيق تطلعات البورجوازية الصغرى على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية حتى تلتحق هذه البورجوازية بمثيلتها البورجوازية الوطنية، و التابعة، و تصبح المصالح واحدة. و بالتالي فتوحد المصالح يستوجب إذابة الصراع و إزالة التناقضات القائمة في الواقع بين تطلعات البورجوازية الصغرى و سائر البورجوازية، و ما يتعارض مع تحقيق التطلعات البورجوازية الصغرى يراه حزب البورجوازية الصغرى منكرا تجب محاربته حتى لا يعرقل تحقيقه تلك التطلعات.

و حزب الطبقة العاملة يرى المعروف في تحقيق البرنامج الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي المؤدي إلى سيادة إرادة الكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة و تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية التي لا تتم فعلا إلا بتحويل ملكية وسائل الإنتاج من ملكية فردية إلى ملكية جماعية من اجل القضاء على استغلال الإنسان الذي يدخل في إطار ما يعتبره حزب الطبقة العاملة مما يجب التصدي له بكل الوسائل النضالية كما يراها هذا الحزب.

و حزب اليسار المغامر الذي يرى المعروف في مزايداته على باقي الأحزاب، و اعتبار نفسه أكثرها تأهيلا لتحقيق تطلعات الجماهير الشعبية الكادحة، و ما سوى تلك الشعارات المزايدة يعتبر منكرا يحاربه هذا الحزب.

و حزب اليمين المتطرف الذي يرى المعروف في العمل على تحقيق تصوره لادلجة الدين الإسلامي باعتبار تلك الادلجة هي “الشريعة الإسلامية” التي تعتبر وسيلة لحماية المصالح الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و الوصول إلى إشاعة الاستبداد البديل بالمجتمع الذي يقود إلى الوصول إلى السيطرة على أجهزة الدولة، و فرض الاستبداد، و كل ما تعارض مع “تطبيق الشريعة الإسلامية” و مع إشاعة الاستبداد البديل ،  و إقامة “الدولة الإسلامية” يعتبره حزب اليمين المتطرف منكرا يتجندون بكافة الوسائل للنهي عنه والتخلص من كل من يقوم به أي كل من يحول دون “تطبيق الشريعة الإسلامية”  وإقامة “الدولة الإسلامية”   .

و في نظرنا فإن تجميع الرؤى و التصورات المتقاربة أيديولوجيا و تنظيميا و سياسيا و برنامجيا و نضاليا يقتضي إقامة جبهة وطنية في كل بلد من البلدان العربية، و في باقي بلدان المسلمين. و تلك الجبهة تلتفي فيها الأحزاب  و النقابات و الجمعيات التي تجمعها نفس الأهداف يتفق المنخرطون فيها و المساهمون في تكوينها على تحديد مفهوم المعروف، و مفهوم المنكر كما يراه مكونوا الجبهة التي نرى ضرورة تسميتها بالجبهة الوطنية للنضال من اجل الديمقراطية التي تقوم بنضال مشترك وفق برنامج محدد الأهداف و المجال في أفق تحقيق الأهداف التي تراها الجبهة معروفا، و محاصرة الممارسات التي تراها منكرا على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و الغاية الأساسية من تحقيق أهداف الجبهة الوطنية للنضال من اجل الديمقراطية المرحلية هي تحقيق الديمقراطية بمضمونها الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي الذي يعتبر مدخلا لأي نضال آخر في أفق تحقيق الحرية و العدالة الاجتماعية باعتبارها معروفا أسمى تسعى إلى تحقيقه في مقابل القضاء على كل أشكال المنكر التي تسود في كل مجتمع من المجتمعات العربية و في مجتمعات باقي بلدان المسلمين.

و بتكوين هذه الهيئة إلى جانب الهيئات الجمعوية و النقابية و الحقوقية و الحزبية نرى أن الحاجة إلى هيئات الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر التقليدية التي لا تنتج إلا ادلجة الدين الإسلامي أصبحت لاغية و التمسك بها من قبل الأنظمة القائمة في البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين، و من قبل الأحزاب الإقطاعية و البورجوازية التابعة و من قبل أحزاب اليمين المتطرف ليس إلا تمسكا بالاستمرار في ادلجة الدين الإسلامي التي تساعد على تضليل أفراد المجتمع لخدمة  مصالح المستغلين الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية باعتبار تلك الخدمة هي الغاية القصوى من ادلجة الدين، في الوقت الذي نجد أن الهيئات الحزبية و النقابية و الجمعوية تقود الصراع من منطلق اختلاف المصالح من طبقة إلى أخرى، و من منطلق سعي كل طبقة إلى خدمة مصالحها وحدها، و لا تسعى أبدا إلى خدمة مصالح طرف واحد بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر باعتبارهما  قيمتين اجتماعيتين ليس إلا. أما الجبهة الوطنية للنضال من اجل الديمقراطية، فإنها تسعى إلى أن يكون ذلك الصراع ديمقراطيا و أن يجري وفق  دستور و قوانين متلائمة مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و لا تسعى أبدا إلى ادلجة الدين الإسلامي الذي يجب أن يبقى بعيدا عن الصراع بين الطبقات، و عن التوظيف السياسي لهذا الدين حتى لا يتحول إلى مجرد برامج سياسية لا قيمة لها إلا بالتحقق على ارض الواقع الذي يعتبر مدخلا لإرهاب المجتمع على جميع المستويات المحلية و الوطنية في كل بلد، و التخلص من جميع المعارضين لهذا التوجه عن طريق التصفية الجسدية، كما كان و لازال يحصل في كل مكان، و هو ما يستلزم تحييد الدين الإسلامي في الصراع القائم بين الطبقات و بين الدول، لأن الدين لله، و ليس للبشر كما جاء في القرءان ” و أن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا” و من مصلحة المجتمعات العربية، و مجتمعات باقي بلدان المسلمين أن يبقى الدين بعيدا عن الصراع الطبقي الدائر في المجتمعات الطبقية العربية و مجتمعات باقي بلدان المسلمين حتى تتجنب هذه المجتمعات القتل باسم الله الذي لا دخل له في ما يجري. فالبشر وحدهم يتصارعون و هم وحدهم الذين يوظفون الدين في ذلك الصراع لاستمالة تعاطف جيوش الأميين الذين لا حول لهم و لا قوة و تجييشهم وراءهم ضد الطبقة العاملة و سائر الكادحين.

 

آفاق تجنب التوظيف الأيديولوجي للمعروف و المنكر :

و لتجنب التوظيف الإيديولوجي للمعروف و المنكر الذي قاد إلى القيام بالعمليات الإرهابية على المستوى العالمي و القومي و القطري و المحلي في البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين على الخصوص نرى :

1) العمل على تحقيق الحرية، حرية الإنسان و الأرض عن طريق تمكين الشعوب من التمتع بالتعبير عن رأيها في مختلف القضايا الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و تمكينها من حقها في إنشاء التنظيمات الحزبية و النقابية و الجمعوية التي تراها مناسبة لها، و وضع دستور ديمقراطي يمكنها من المشاركة في انتخابات حرة و نزيهة لاختيار من يمثلها في المؤسسات المحلية و التشريعية، و في اختيار من يحكمها في كل  بلد على حدة، و عن طريق تحريض الأراضي المحتلة أو الأجزاء التي لازالت محتلة من كل بلد من بلدان العرب و المسلمين حتى تتحقق الحرية الكاملة للمجتمع على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. تلك الحرية التي تمكن الجميع من تحقيق ما يريد انطلاقا من القوانين و من الدستور الذي يضمن تلك الحرية و يحميها.

2) ملاءمة القوانين الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية مع للمواثيق الدولية المتعلقة بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية حتى تضمن تلك القوانين لجميع الناس و على أساس المساواة فيما بينهم، التمتع بتلك الحقوق التي تجعلهم يساهمون مساهمة فعالة في البناء الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي بما يتناسب مع ما تقتضيه الحياة المتطورة باستمرار في اتجاه تحقيق كرامة الإنسان التي بدونها يفقد هذا الإنسان إنسانيته و يتحول إلى مجرد كائن لا يساوي إلا ما يقوم به لصالح من يستغله في المجالات الخدماتية أو يشتري ضميره في المحطات الانتخابية، أو يجيشه للقيام بالعمليات الإرهابية. فملائمة القوانين مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، تساهم إلى حد كبير في حماية الشعوب من مختلف الآفات الناجمة عن سيادة الخروقات المختلفة لدرجة أن ممارسة الخروقات تتراجع إلى الوراء.

3) اجراء انتخابات حرة و نزيهة تحت إشراف هيئة مستقلة تقطع الطريق أمام أشكال التزوير التي تعرفها مختلف الانتخابات المحلية و التشريعية في كل بلد من البلدان العربية و في باقي بلدان المسلمين. كما تقطع الطريق على شراء الضمائر من قبل البورجوازية الهجينة و الإقطاع المتخلف، و اليمين المتطرف المؤدلج للدين الإسلامي. و أمام ما تقوم به السلطات المحلية و الإقليمية و الوطنية من تزوير على مستوى كل بلد من البلدان العربية و باقي بلدان المسلمين، وصولا إلى إيجاد مؤسسات محلية و وطنية منتخبة انتخابا حرا و نزيها، و تعكس إرادة المواطنين، و تعمل على تحقيق ما يسعون إلى تحقيقه في كل بلد عربي على حدة، حتى يتمرس الناس على التربية على الديمقراطية التي هي المدخل  لاقامة مجتمع متقدم و متطور يحتل فيه كل فرد مكانة متميزة.

4) إنشاء هيأة مستقلة من مختلف الأحزاب تعتبر بمثابة هيأة للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لمراقبة ما تقوم به المجالس المحلية، و أعضاء البرلمان في كل بلد على حدة، و تبث في الشكاوى التي تتلقاها بعد البحث الميداني، و التحقق من الأفعال، و إحالة مرتكبي الخروقات على القضاء الجنحي، أو الجنائي أو الإداري، لاتخاذ القرارات اللازمة حتى لا تتحول المجالس المنتخبة إلى مجال لتحقيق تطلعات المنتخبين التي يترتب عنها ارتكاب خروقات تلحق الأذى بالمواطنين. و هذه الهيئات تتشكل على جميع المستويات المحلية و الإقليمية و الجهوية و الوطنية. و تختص كل هيئة بالمجلس الذي يتواجد في ترابها، و تمتلك الحق في أن تكون على بينة مما يجري، و ترفع تقارير عن كل ذلك إلى القضاء الذي له الحق وحده في البث في تلك التقارير.

5) إنشاء حكومة وحدة إنقاذ وطني في كل بلد من البلدان العربية، و من بلاد المسلمين، و تكون مهمة هذه الحكومة هي معالجة المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية المتردية القائمة في الواقع عن طريق تشغيل مئات الآلاف من العاطلين عن طريق إقامة مشاريع اقتصادية و اجتماعية و ثقافية تساهم في إنشاء حركة اقتصادية و اجتماعية و ثقافية متطورة حتى يتم تحديث البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين على التصنيع الثقيل الذي يحدث ثورة صناعية رائدة، كما تساهم في تعميم التعليم على جميع مواطني كل بلد على حدة و محاربة الأمية، و العمل على القضاء عليها، و إنشاء شبكة من المستشفيات و المراكز الصحية و المستوصفات في جميع مناطق كل بلد على حدة حتى يستفيد جميع المواطنين من المراقبة الصحية،  و العمل على تمكين جميع المواطنين من السكن المناسب لتحقيق كرامة الإنسان، و إنشاء المؤسسات الثقافية في جميع المناطق السكنية، و تشجيع إنشاء الجمعيات الثقافية و التربوية و الحقوقية و الترفيهية و غيرها حتى تتمكن من العمل على بث القيم الثقافية الإيجابية و المتعارف عليها في كل بلد من البلدان العربية و من باقي بلدان المسلمين و يساهم كل ذلك في وجود إنسان جديد، و حديث فعلا يستطيع أن يقتنع بالاختلاف، و أن يقر بالممارسة الديمقراطية من الشعب و إلى الشعب. و حينها تعمل حكومة الإنقاذ الوطني في كل بلد على حدة على  وضع دستور ديمقراطي عن طريق مجلس تأسيسي منتخب انتخابا حرا و نزيها، و يصادق عليه الشعب بعد مناقشته جماهيريا حتى يصير دستورا رسميا تقرر من خلاله الجماهير الشعبية مصيرها عن طريق اختيار نظام الحكم الذي تريده لوضع حد لنظم الاستبداد القائمة في البلاد العربية و في بلدان المسلمين لتحل محلها أنظمة ديمقراطية. و بعد ذلك تعمل حكومة الإنقاذ الوطني في كل بلد على إجراء انتخابات حرة و نزيهة لإيجاد مجالس محلية و إقليمية و جهوية و وطنية في كل بلد تعكس إرادة مواطني ذلك البلد، و تقوم بتقرير و تنفيذ ما يخدم مصالح الجماهير الشعبية التي اختارت تلك المجالس. و يقوم المجلس الوطني (البرلمان) بتكوين حكومة من أغلبيته، تقوم بتطبيق القوانين القائمة أو القوانين الصادرة عن البرلمان و تحت مراقبته، حتى لا تتصرف الحكومة في كل بلد من البلاد العربية و من بلاد المسلمين بعيدا عن القوانين و القرارات التي يصادق عليها البرلمان، لأن الديمقراطية تقتضي ذلك.

6) إخضاع تاريخ الشعوب الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي للدراسة و التقويم من اجل الوقوف على التطور الذي عرفته البلاد العربية و باقي بلاد المسلمين، و طبيعة ذلك التطور، و ما هي القوانين التي تحكمت فيه، و هل هي قوانين موضوعية أم لا ؟ و ما هي التشكيلات الاقتصادية الاجتماعية التي عرفها كل بلد من البلاد العربية و في باقي بلاد المسلمين ؟ و ما طبيعة كل تشكيلة على حدة؟ و هل كانت البنى الفوقية في تلك التشكيلات تعبر فعلا عن طبيعة البنى  التحتية ؟

إن دراسة التاريخ دراسة علمية دقيقة تحدد لنا إلى أي حد يمكننا ادراك طبيعة التطور الذي عرفته التشكيلات الاجتماعية في كل بلد، و ما يجب عمله لتفعيل القوانين المتعلقة بتشكيلة معينة من اجل تسريع التطور من اجل تحقيق أهداف معينة. يسعى إلى تحقيقها  حزب معين في بلد معين من البلاد العربية أو من باقي بلدان المسلمين.

و لذلك فالأحزاب المنسجمة مع نفسها تبني تصورها على أساس دراسة تطور التشكيلة الاجتماعية لمعرفة القوانين التي تحكمت في ذلك التطور حتى تستحضره في صياغة برامجها  الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية و حتى تكون تلك البرامج فاعلة في تسريع تطور المجتمع في اتجاه التاريخ الصحيح.

7) إخضاع واقع الشعوب للتحليل العلمي الدقيق لمعرفة التشكيلة الاقتصادية-الاجتماعية القائمة ، و ما يتفاعل في إطار تلك التشكيلة من ظواهر مختلفة و متناقضة و ما هي الطبقات الرئيسية القائمة فيها، و ما هي الطبقات الثانوية ؟ و ما هي التناقضات الرئيسية و الثانوية ؟ و هل يوجد صراع طبقي معين ؟ و ما درجة حدة هذا الصراع ؟ و هل هو صراع تناحري، أم صراع ديمقراطي ؟ و هل تحترم الممارسة الديمقراطية الحقيقية ؟ أم إنها مجرد ديمقراطية الواجهة ؟ و هل تتناسب البنيات التحتية و الفوقية في هذه التشكيلة أم لا ؟ و هل هي تشكيلة عبودية ؟ أم تشكيلة إقطاعية أم تشكيلة رأسمالية تابعة، أم تشكيلة رأسمالية، أم تشكيلة اشتراكية ؟ أم إنها تشكيلة متعددة أنماط الإنتاج ؟

إن دراسة الواقع دراسة علمية دقيقة تساعد على تكوين نظرية معينة عن ذلك الواقع، يمكن اعتمادها لرسم ما يجب عمله على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية من اجل التسريع بعملية التطور الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، باعتبار ذلك التطور ضرورة تاريخية، و باعتباره وسيلة لتحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية التي يمكن اعتبارها نتيجة للتطور الطبيعي للمجتمع. كما يمكن اعتبار الحرمان منها نتيجة لوجود عراقيل تحول دون قيام التطور الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، تلك العراقيل التي تستهدف غياب الديمقراطية بصفة عامة او التعويض عن ذلك الغياب بقيام ديمقراطية الواجهة بسبب سيادة الاستبداد في جميع مستوياته التي لا حدود لها ؟ و هل توجد حركة نقابية تقود النضالات المطلبية للعمال و الأجراء أم لا ؟ و هل توجد حركة جماهيرية تسعى إلى بث وعي معين في صفوف الجماهير الشعبية الكادحة ؟ و هل توجد أحزاب سياسية تمثل الجماهير و تؤطرها فعلا ؟ و هل تتوفر على برامج تسير في اتجاه قيام نضال ديمقراطي، و قيادة ذلك النضال ؟ أم أنها مجرد أحزاب لتكريس ديمقراطية الواجهة ؟

و كيفما كان الأمر  فالمعرفة العلمية للواقع تعتبر ضرورية بالنسبة لكل من يسعى سعيا حقيقيا إلى تغيير الواقع بكل تجلياته  وصولا إلى صياغته ليكون في خدمة الإنسان عن طريق تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية.

8) الاهتمام بتطور أداء الجمعيات الثقافية، و التربوية و الترفيهية و التنموية و الحقوقية.

فالاهتمام بالجمعيات الثقافية يقودنا إلى القيام بدراسة الواقع الثقافي دراسة علمية دقيقة. و هل هي ثقافة جادة و مسؤولة و هادفة، تعمل على نشر القيم الإيجابية في الواقع حتى يتحول في الاتجاه الصحيح انطلاقا من تلك القيم الإيجابية ؟ أم أنها مجرد ثقافة تضليلية تسعى إلى جعل الناس يغيبون عن واقعهم، و يسعون إلى الانشغال بأمور غيبية، في مقابل القبول بالاستغلال الممارس عليهم على انه قدر من عند الله ؟

فالتمييز بين الثقافات المتناقضة في المجتمع يعتبر مسألة ضرورية، حتى يتبين المثقفون المخلصون، ما هي الثقافة التي يمكن اعتمادها لجعل الجماهير الشعبية الكادحة تنخرط ايجابيا في الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و العمل على تطويرها إلى الأحسن في إطار التحول الذي يعرفه  الواقع، لأن للثقافة دور إيجابي، و دور سلبي، فإذا كانت الثقافة جادة و هادفة و تقدمية، فإنها تستطيع  أن تبث بين أفراد المجتمع القيم الإيجابية و الجادة و الهادفة. أما إذا كانت رجعية و متخلفة، و ظلامية، و توفيقية تلفيقية، فإنها لا تمد المجتمع إلا بقيم التضليل و الوهم، و كل ما يجعل الكادحين يقبلون ما يمارس عليهم من استغلال مادي و معنوي.

أما الاهتمام بالجمعيات التربوية فإنه يدفعنا إلى العمل على دراسة التربية السائدة في المجتمع في كل بلد من البلاد العربية و في باقي بلاد المسلمين. و الوقوف على واقع التربية و ما هي الغاية منها ؟ و هل هي تستهدف إعادة إنتاج نفس الهياكل الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، أم أنها تسعى إلى  أن تكون متحررة و قادرة على إعداد أجيال قادرة على الانخراط في الحياة من بابها الواسع، و تسعى إلى إنتاج هياكل جديدة تناسب  مع ما يقتضيه التطور الذي تفرضه حركة الحياة التي لا تتوقف.

فالتمييز بين التصورات التربوية يصير ضروريا و واجبا في نفس الوقت. فهناك التصور الإقطاعي، و هناك التصور البورجوازي، و التصور البورجوازي الصغير و تصور الطبقة العاملة للتربية. و هذا التمييز يقودنا إلى معرفة ما هو التصور الرجعي ؟ و ما هو التصور التقدمي ؟ و ما هو المقياس الذي يمكن اعتماده لمعرفة الفرق بين التصور  الرجعي و التصور التقدمي ؟ و دور التصور الرجعي في إنشاء أجيال متخلفة ؟ و دور التصور التقدمي في إنشاء  متطورة، و ما هو هدف التصور الرجعي ؟ و ما هو هدف التصور التقدمي ؟ حتى نستطيع التمييز بين الجمعيات التي تعمل على نشر القيم الإيجابية و المتطورة. و الجمعيات التي تنشر القيم الرجعية و المتخلفة، حتى نحدد ما هي الجمعية التربوية التي نتعامل معها و نسلم إليها أبناءنا الذين يهمنا مصيرهم الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي.

و فيما يخص الاهتمام بالجمعيات الترفيهية فإنه يدفعنا إلى دراسة أشكال الترفيه المتبعة في المجتمع، و هل هي مفيدة في إنتاج القيم الإيجابية بالنسبة لعامة أفراد المجتمع في كل بلد من البلاد العربية، و في باقي بلدان المسلمين ؟ و هل تلك الأشكال الترفيهية لها علاقة بالتنوع الطبقي في المجتمع ؟ و ما هو الشكل الترفيهي المناسب للطبقة الإقطاعية ؟ و ما هو الشكل الترفيهي المناسب للأقنان ؟ و ما هو الشكل الترفيهي المناسب للبورجوازية ؟ و الآخر المناسب للبورجوازية الصغرى ؟ وما  هو الشكل الترفيهي المناسبة للطبقة العاملة و سائر الكادحين ؟ و ما هو الشكل الترفيهي المناسب لكل فئة عمرية على حدة  وماهو الشكل الترفيهي المناسب للرجال  ؟ و الآخر المناسب للنساء ؟ و ما دور الترفيه في إعداد الناس إعدادا جيدا لمواجهة متطلبات الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية ؟ و هل يمكن أن يبقى الترفيه بعيدا عن إنتاج القيم المضرة بالمصالح الفردية و الجماعية و الطبقية و أشياء أخرى ؟ و هل ينتج القيم المضرة بالمصالح الطبقية ؟ و ما مدى مساهمته في جعل أفراد المجتمع ينسحبون من الواقع ولا  يساهمون في النشاط الجماهيري، الجمعوي و النقابي، و لا في النشاط الحزبي و لا يسعون إلى تحمل المسؤوليات العامة ؟

إن الترفيه و كيفما كان مستواه، و مهما كانت الطبقة التي يستهدفها أو الفئة العمرية التي تهتم به  فإنه يبقى مصدر القيم التي تبعد المتفاعل معها عن التأثر بمختلف عوامل التوتر القائمة موضوعيا في الواقع. فالتأثر بما يحدث في الواقع مما يتعارض مع طموحات و تطلعات الأفراد و الطبقات الاجتماعية يحدث توترا نفسيا و اجتماعيا قد يقود إلى حدوث أمراض نفسية و اجتماعية قد تؤثر على مسار الإنتاج الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و على مسار الممارسة السياسية في نفس الوقت. و لذلك كان الترفيه بأشكاله المختلفة ضروريا، و كان إنشاء جمعيات خاصة بالترفيه ضروريا حتى نضمن قيام صراع اجتماعي طبيعي يساعد على التطور الطبيعي للواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي، و الذي بدونه سيبقى المجتمع سجين الرؤى الرجعية و الشوفينية التي تفرض لجوء الطبقات الحاكمة في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين إلى سجن الشعوب داخل تصورات غير منسجمة مع طموحات و تطلعات الشعوب التي تعاني الويلات من الحكام باسم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر باسم الدين الإسلامي وقهر الشعوب و تضليلها حتى لا تسعى إلى تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية. و الترفيه قد يمهد الطريق لأجل ذلك لأنه يحرر العقل، و ينتج التفكير السليم مادام منتجا للقيم المناسبة للطبقة المعنية، أو للعمر المعني، و التفكير السليم يوصل دائما إلى تحديد الهدف الذي يبعث على العمل بسهولة.

و عندما يتعلق الأمر بالاهتمام بالجمعيات التنموية فإن هذا الاهتمام يقودنا إلى دراسة مفهوم التنمية بصفة عامة، و مفهوم العمل الجمعوي في مجال التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية، و هل تخلت الدولة القائمة في كل بلد من البلدان العربية و في باقي بلدان المسلمين عن دورها في التنمية ؟ و هل تخلي الخواص عن دورهم في هذا المجال ؟ و ما هي الخلفيات التي تحكم تخلي الدولة عن الاستثمار في المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية ؟ و لماذا عجز الخواص  عن القيام  بالدور اللازم في مجال التنمية ؟ و هل تتناسب برامج الجمعيات التنموية مع حاجيات المجتمع في كل دولة على حدة ؟ و هل تملك هذه الجمعيات الإمكانيات المالية الضخمة التي تمكنها من إحداث تنمية حقيقية ؟ أليست الجمعيات التنموية التي تكاثرت بدون حدود وسيلة من وسائل تحايل المسؤولين الجمعويين  على الأموال المرصودة من جهات معينة من اجل تحويلها إلى جيوبهم ؟ أليست الجمعيات التنموية الممولة من جهات خارجية، و المنتشرة في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين، وسيلة لبناء شبكة من الجواسيس في كل بلد على حدة، و من أبناء ذلك البلد لصالح تلك الجهات، مما يسهل أمر التدخل الخارجي في أي بلد يتبين ضرورة التدخل في شؤونه إذا تبين للرأسمالية ضرورة حماية مصالحها الاقتصادية في ذلك البلد ؟ و ما العمل من اجل حماية كل بلد من تحويل الجمعيات التنموية إلى وسيلة من وسائل الإعداد للتدخل الخارجي ؟ و هل تلعب الدول في كل بلد دورا رائدا لحماية البلاد من التدخل الخارجي  ؟ و لماذا لا تقوم بمنع التمويل الخارجي للجمعيات التنموية ؟ بل لماذا لا يقع ذلك التمويل تحت إشراف الدولة و بموافقتها  و تحت مراقبتها ؟

إننا في الواقع عندما يتعلق الأمر بالجمعيات التنموية نجد أن الطبقات الحاكمة في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين تسمح بها لايهام الناس في كل بلد ، بأن التنمية العامة ليست من مسؤولية الدولة التي صارت في إطار التوجه العام الذي أعطى للدولة و الذي صار يقتصر على حفظ الأمن فقط، و ما سوى ذلك يترك للخواص أو لمنظمات المجتمع المدني التي صارت تشرف على بعض ما كان من مهمات الدولة.

و ما نخافه هو أن تتحول المشاريع التي تنجزها الجمعيات التنموية إلى ممتلكات عامة تستولي عليها الدولة أو تحولها للخواص بمقابل رمزي كما يحصل في العديد من ممتلكات الشعوب التي حولت للخواص بقيمة مالية رمزية بدعوى عجز الدولة عن تسييرها، و عن التكلفة الكبيرة التي صارت تتحملها الدولة في الإشراف عليها. و هي مبررات صارت واهية تلجأ إليها الدولة في كل بلد لتبرير قيامها بخوصصة الممتلكات العامة.

و لذلك صار من اللازم الانتباه إلى ما تقوم به الجمعيات التنموية، و رصده و تتبعه، و إخضاعه للدراسة و فضح الخلفيات التي تحكمه حتى لا تتحول تلك الجمعيات إلى منظمات مافياوية، تستغل من قبل جهات معينة، حتى يتم حفظ البلاد من كل ما يجرها إلى ما حدث في بعض البلدان العربية و في بعض بلدان المسلمين. و لقطع الطريق أمام التدخل الخارجي، خاصة و أن البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين تنمو فيها طبقة بورجوازية طفيلية تستطيع فعل أي شيء من اجل تحقيق تطلعاتها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية لتأبيد سيطرتها على البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين، و الحيلولة دون حدوث تطور يتناقض مع مصالحها الطبقية التي تكونت لديها بسبب علاقتها بالمؤسسات المالية الدولية، و بالشركات العابرة للقارات.

و فيما يتعلق بالجمعيات الحقوقية فإننا نجد أن الإلمام بالوضعية في البلاد العربية، و في باقي بلدان المسلمين يصير ضرورة أساسية حتى نتعرف على ما يجب عمله لإشاعة حقوق الإنسان الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و توعية الناس بها، و جعلهم يناضلون من اجل تحقيقها.

فما هي الجمعيات التي تلعب دورا أساسيا و رائدا في إشاعة الوعي الحقوقي ؟ هل هي الجمعيات التي تقف الدولة وراء إنشائها؟ هل هي الجمعيات التي تقوم التنظيمات الحزبية كتنظيمات متفرعة عنها، و موازية لها أو تابعة و خاضعة لتوجهاتها ؟ و هل هي جمعيات للنخب التي تسعى إلى تحقيق أهداف محددة عن طريق النضال الحقوقي ؟ و هل هي جمعيات مبدئية ديمقراطية تقدمية جماهيرية مستقلة، شمولية  و كونية ؟ و هل لها برامج تتبعها في نضالها الحقوقي أم لا ؟ و هل لها بعد وطني و إقليمي و دولي ؟ أم أنها مجرد تنظيمات حقوقية محلية ؟ و هل حققت مكاسب حقوقية في نضالها الطويل و المرير أم لا ؟ و هل في الإمكان أن تحقق مكاسب مستقبلية أم لا ؟ و هل ترتبط هذه الجمعيات بالجماهير الشعبية أم لا ؟ و هل تتلقى تأييدا من قبل الجماهير المحلية ؟ و هل تتلقى تأييد من قبل المنظمات الحقوقية الدولية ؟ هل يمكن أن تحتل مكانة معينة على المستوى الدولي ؟ هل تتلقى دعما ماديا  من الدولة ؟ هل تتلقى دعما من المنظمات الدولية الرسمية و غير الرسمية ؟ و هل توظف ذلك الدعم في إشاعة حقوق الإنسان في المجتمع ؟ أم أنها تستغله لحسابات غير حقوقية ؟ و ما هي مساهمتها في مناهضة مختلف الخروقات التي تتعرض لها حقوق الإنسان في مختلف القطاعات و على مستوى كل بلد عربي و في باقي بلدان المسلمين ؟ هل استطاعت أن تفضح تلك الخروقات على المستوى الدولي ؟ و هل حققت مكاسب معينة في هذا المجال ؟

و كيفما كان الأمر فإن الاهتمام بالمجال الحقوقي و بالجمعيات الحقوقية على مستوى كل بلد، يمكننا من جعل ذلك الاهتمام في حد ذاته منتجا للقيم التي لها علاقة بحقوق الإنسان مما يجعل الشعوب في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين تمتلك  الوعي الكافي بحقوقها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و تناضل من اجل التمتع بتلك الحقوق مما يمكنها من التمتع بحقها الأساسي و المصيري المتعلق بتقرير مصيرها على جميع المستويات، و في جميع المجالات.

و انطلاقا من وقوفنا على البحث في آفاق تجنب التوظيف الإيديولوجي للمعروف و المنكر، فإننا نرى أن العمل في هذا الاتجاه سيؤدي إلى تحقيق شيئين اثنين :

الشيء الأول و يتجسد في امتلاك الوعي بتلك الادلجة و خطورتها على مستقبل الشعوب المستهدفة بها من امتلاك أدوات محاربتها حتى تختفي من ممارسة الأفراد و الدول و التنظيمات المتطرفة، لأن محاربة تلك الادلجة يدخل في إطار محاربة عوامل الإرهاب المادي و المعنوي، و الإرهاب الجسدي الذي قد يقود إلى التصفية الجسدية في أي بلد من البلاد العربية و من باقي بلدان المسلمين.

و الشيء الثاني اعتماد مختلف المنظمات القائمة بمثابة  هيئات الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، تجعل من مهامها محاربة ادلجة المعروف و ادلجة المنكر باعتبار تلك الادلجة سطوا و سرقة لوجدان الناس و لعقولهم، و مصادرة لعقيدتهم لصالح طبقة معينة، حتى تتمكن تلك الهيئات من تحقيق الأهداف المرسومة التي تجعلها في مستوى تحملها لمسؤوليتها التاريخية التي تفرضها الشروط الموضوعية القائمة في كل بلد من البلاد العربية، و من باقي بلدان المسلمين حتى نضمن قيام شروط موضوعية لانجاز التطور المناسب في كل بلد على حدة، و في أفق أن يكون للعرب و المسلمين شأن إنساني، بدل أن تبقى هذه البلاد المتنوعة الخيرات المادية و المعنوية بعيدة عن الاستمرار في إنتاج الإرهاب المادي و المعنوي الذي عانت منه البشرية في العقود الأخيرة، و باسم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر الذي يتحول إلى “جهاد”.

 

ما العمل لجعل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في خدمة المجتمع ؟

و السؤال الذي نصل إلى طرحه هو ما العمل ؟ و من اجل ماذا ؟ إن مصوغتا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر تأدلجتا منذ موت الرسول ، و صارتا وسيلتين أيديولوجيتين تستغلان لحماية مصالح الحكام من جهة، و لحماية مصالح القائمين بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من جهة أخرى ، ثم تحولتا مع الأيام إلى التعبير عن حماية المصالح الطبقية التي تختلف من تشكيلة اجتماعية إلى تشكيلة اجتماعية أخرى. و هو ما يجعلنا نطرح السؤال : ما العمل ؟ باعتباره مرشدا إلى تلمس الأفكار المساعدة على إيجاد مخرج، أو مخارج متعددة و متنوعة للتخلص من ادلجة الدين الإسلامي و من ضمنها ادلجة الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، نظرا لما لتلك الادلجة من خطورة على مصير الشعوب في البلاد العربية، و في باقي بلدان المسلمين الذين يرزحون في ركام متكلس من التخلف الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، و الذي لا يمكن التخلص منه إلا بالقيام  بعمل معين يستدعي اجتثاث  الأفكار التي تستلزم ادلجة الدين الإسلامي، و ادلجة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بالخصوص في جميع البلدان العربية و في باقي بلدان المسلمين.

و مما يجب القيام به في هذا الاتجاه نجد :

1) تجريم الكلام باسم الدين سواء تعلق الأمر بالمؤسسات التعليمية، أو بالحياة العادية، و حتى في المساجد، لأن التطفل على الكلام باسم الدين يؤدي إلى كثرة أدعياء المتكلمين باسمه مما يجعله يتحول الى التعبير عن مصالح أولئك الأدعياء  الذين يستغلون انتشار الأمية في صفوف الشعوب العربية و شعوب باقي المسلمين كما يستغلون انتشار الفكر الخرافي المعبر عن المصالح الإقطاعية في صفوف أشباه المتعلمين المرضى بالتطلعات البورجوازية الصغرى، و يستغلون في نفس الوقت محاصرة الفكر الفلسفي الحقيقي، و تحريفه ليحل محله في نفس الوقت شيء اسمه “الفكر الإسلامي” الذي لا يتجاوز ان يكون مجرد فكر مؤدلج للدين الاسلامي ليلقن للاجيال على انه الفكر الفلسفي. لأن الفرق بين الفكر الفلسفي و الفكر المؤدلج للدين الاسلامي ان الفكر الفلسفي يعمل على تنمية العقل العلمي عن طريق اكتساب المناهج التي يتبعها المفكرون . تلك المناهج التي تقود الى اكتشاف القوانين العلمية فيخرج العلم من الفلسفة، و تخرج الفلسفة من العلم ايضا عندما تطرح تساؤلات حول قضايا علمية معينة. لنصل الى خلاصة ان العلاقة بين الفكر الفلسفي و العلم هي علاقة جدلية في الوقت الذي نجد فيه ان الفكر الاسلامي الذي يهتم بالمصوغات الفكرية القائمة على التأويل الايديولوجي للنص الديني، و الذي لا يقود الا لانكار العلم الذي لا يتجاوز القبول به على أنه مقرر سلفا، و ليس نتيجة لاعمال العقل الفلسفي و من باب ” ما فرطنا في الكتاب من شيء” لنقول القرءان ما لم يقله. و ما لم يضع له الاسس الاولى لاستنتاجه عبر منهج من التفكير يمكن اعتباره فلسفيا. و هذا التناقض القائم بين الفكر الفلسفي، و ما تمت تسميته ب “الفكر الاسلامي” يدفعنا الى استنتاج ان الفكر الفلسفي عندما يسود يدفع الامم و الشعوب الى التقدم بعد الاكتشافات العلمية التي تتحقق مع مرور الايام . مما يؤثر في الواقع فتتحول البنيات التحتية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية فتتأثر البنيات الفوقية بذلك فتتحول بدورها، و تنهار التشكيلة الاقتصادية  الاجتماعية القديمة لتحل محلها تشكيلة اقتصادية اجتماعية جديدة. ان الفكر الفلسفي عندما يرتبط بالواقع الذي يتفاعل مع ذلك الفكر فيتحول باستمرار، بينما نجد ان الفكر الاسلامي  لا يقوم بنفس الدور بقدر ما يغرق المجتمعات في البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين في متاهات التخلف الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي لربطه الواقع بمجموعة من القوالب الجاهزة التي يسميها ذلك الفكر بالشريعة الاسلامية التي تختصر الحياة في مقولة هذا حلال و هذا حرام بمنطق القرن السابع الميلادي، و بالمنطق المغرق في الظلامية الذي جاء بعد ذلك و الذي سماه المهتمون بالتاريخ الذي يتعلق بحياة المسلمين بمرحلة الانحطاط. ليتحول “الفكر الاسلامي” بعد ذلك الى معرقل للتطور البشري عن طريق عرقلة تطور المجتمعات في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين. و لذلك نرى ان تجريم الكلام باسم الدين و دون سند قانوني ، و دون اعتماد من المؤسسة الدينية و دون مصادقة من هيئة مراقبة المؤسسة الدينية اصبح امرا ضروريا لوضع حد لهذا الجيش من المتطفلين الذين يتكاثرون كالفطر. و الذين يحولون شوارع المدن و القرى الى اماكن للدعوة و كأن جميع الناس “كفار” و كأن هؤلاء “الكفار” بايمانهم سيحولون المجتمع الى مجتمع متقدم لا وجود فيه للبطالة و الفقر و الامية و المرض و انعدام السكن اللائق لجميع الناس و الواقع ليس كذلك.

2) تجريم استغلال الدين الاسلامي في الامور السياسية لأن استغلال الدين في امور السياسة كلف المجتمع في كل بلد من البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين الكثير من الافات و المصائب و الكوارث التي لا حدود لها منذ موت الرسول، و منذ مقتل عثمان، ثم مقتل علي بن ابي طالب، و على مر العصور و الى  يومنا هذا. و لذلك كان لابد من وضع حد لهذا الاستغلال الذي يستهدف تضليل الجماهير و استغلالها في نفس الوقت حتى لا تقوى على التفكير في تنظيم نفسها، و النضال من اجل تحسين اوضاعها المادية و المعنوية، و وضع حد لاستغلال الدين في السياسة لا يتم الا بتجريم هذه الممارسة و بواسطة القوانين المتلائمة مع المواثيق الدولية التي تضمن حرية المعتقدات التي تعتبرها مصدرا للقيم الروحية التي تغذي روح الانسان و تقويها، و تجعلها تتجاوب مرحليا مع الواقع و تندمج فيه، و تساهم في تطوره الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي.

و تجريم استغلال الدين الاسلامي في الامور السياسية يستهدف :

أ- المتكلمين باسم الدين المدعين تمثيله الذين تكونت لديهم مصالح بسبب ذلك مما يضطرهم الى اعطاء النص الديني تأويلا ايديولوجيا لحماية تلك المصالح التي تجعلهم رهن اشارة الطبقة الحاكمة، و جميع من يحتمل ان يصير حاكما في يوم ما.

ب- الطبقات الحاكمة في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين الذين يوظفون اموالا طائلة لأدلجة الدين الاسلامي لإعطاء الشرعية لحكمهم امام الجماهير الشعبية الكادحة و المقهورة و المضللة و التي لا رأي لها و لا ارادة فيما يمارس عليها حاضرا و مستقبلا.

ج- مؤدلجي الدين الاسلامي الذين يسعون الى استقطاب الجماهير الشعبية المضللة و تجييشها وراءها في مختلف المحطات الانتخابية من اجل الوصول الى مراكز القرار قصد الاستفادة من الطبقة الحاكمة و تحقيق تطلعاتهم، و حماية تلك التطلعات و ما يترتب عنها من مصالح طبقية تساهم الجماهير الشعبية الكادحة في تغذيتها و تنميتها بقبول الحرمان من مختلف حقوقها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية كنتيجة للتضليل الايديولوجي الذي يعمي بصرها و بصيرتها عن واقعها الذي يصير مستباحا لمؤدلجي الدين الاسلامي يفعلون به ما يشاؤون باعتبارهم مجاهدين من اجل اقامة الحكم الاسلامي بالقوانين و القرارات التي يفرضونها من موقع تواجدهم في مراكز القرارات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية.

د- مؤدلجي الدين الاسلامي المحولين النص الديني الى مجرد برنامج سياسي يسعون الى فرض تطبيقه بالقوة باسم “تطبيق الشريعة الاسلامية” و العمل على “اقامة الدولة الاسلامية” من منطلق ان “الاسلام دين و دولة”. و كل من قاوم تنفيذ هذه الشعارات فهو كافر و ملحد يجب قتله و التخلص منه، و باسم الدين الاسلامي. فهذه الفئة الاكثر تطرفا تعتبر نفسها انها وحدها التي يمكن ان تتكلم باسم الدين و ان تفرض “تطبيق الشريعة الاسلامية” بالقوة، و ان تقيم “الدولة الاسلامية” التي عندها جميع الحلول لجميع المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و هي وحدها القادرة على اقامة عدالة الله في الارض، و لا مجال لشيء اسمه الحرية و الديمقراطية والعدالة الاجتماعية و حقوق الانسان، و غير ذلك مما هو مستورد من الغرب الكافر، و كل من يقف وراء استيراده يقتل لكفره، و لارتداده عن الاسلام، و لفسقه و فجوره و غيرها من الاوصاف التي يصفونها للتخلص من معارضيهم حتى و ان ادى ذلك الى قتل جميع من يخالفهم من غالبية أي شعب من الشعوب في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين.

و ما يصدر عن الفئة الاولى و الفئة الثانية و الفئة الثالثة، و الفئة الرابعة من مؤدلجي الدين الاسلامي مما يتنافى مع ما جاء في النص الديني الذي هو القرءان، يفرض اعتبار تجريم ادلجة الدين الاسلامي واجبا على المسؤولين في كل البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين لفرض احترام الدين من جهة، و لحماية ارواح المسلمين التي تهدر باسم الدين من جهة اخرى حتى يقوم مجتمع خال من الارهاب و الإرهابيين في كل بلد من البلدان العربية و من باقي بلدان المسلمين، مجتمع يتمتع بالحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية.

3) جعل التعليم الديني مستقلا عن التعليم العام  و ملحقا بالمؤسسة الدينية. لأن جعل التعليم الديني جزءا من التعليم العام قاد الى تحويل المؤسسات التعليمية  الى مشاتل لاستنبات مؤدلجي الدين الاسلامي على يد مؤدلجي الدين الاسلامي العاملين في المدارس و الثانويات و الجامعات، و الذين ينفذون برنامجا يتم الاتفاق عليه في تنظيمات مؤدلجي الدين الاسلامي الذين يرتبطون بجهات داخلية و خارجية غير معروفة، و غير محددة الهوية. و لذلك فالاستمرار في تدريس الدين في مؤسسات التعليم العام سواء كانت تملكها الدولة او يمكلها الخواص و في جميع البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين، لا يمكن ان ينتج الا ادلجة الدين الاسلامي، و الاستمرار في تلك الادلجة، و اعداد المؤدلجين الجدد الذين تتلقفهم تنظيمات المؤدلجين القائمة في الواقع و بطريقة غير قانونية، و تعمل على تعميق ادلجتهم للدين الاسلامي في ما صار يصطلح على تسميته بالمساجد العشوائية، على غرار المساكن العشوائية، و احالتهم على تنظيمات خارجية تقوم بتدريبهم على امور لا يعرفونها في وطنهم الاصلي حتى يتهيأو للقيام باعمال ارهابية في وطنهم الاصلي او في أي بلد اخر خدمة للاهداف الكبرى التي يسعى الى تحقيقها مؤدلجو الدين الاسلامي و المتمثلة  في تركيع العالم، و تنصيبهم حكاما  على البشرية باسم الله.

و نحن نرى ان تدريس الدين يجب ان يلحق بمؤسسات خاصة لها علاقة بالمؤسسة الدينية و تحت اشراف هيأة مراقبة تدريس الدين و تقديم تصور شامل عن ما يجب ان يقوم المعنيون بالاشراف على  الموسسات الدينية حتى يبقى الدين لله ، وحتى لايوظف الدين في الامور التي لاعلاقة لها بالعبادات الصرفة.

وعندما ندعو الىالحاق التعليم الديني بالموسسات الدينية فلاننا نرى ان الكثير من المصائب والكوارث التي عرفتها البشرية مند موت الرسول. ومند مقتل عثمان بن عفان ثم على بن ابي طالب وما تكون بعد ذلك من فرق مؤدلجة للدين الاسلامي التي استمرت الي يومنا هذا . وكل منها تدعي انها هي التي تنوب عن الله في الأرض ، وجميع الدول التي حكمت مند ذلك الوقت والى اليوم حكمت باسم  الدين الاسلامي.

وهذا الاستغلال البشع للدين الاسلامي هو المبرر الاول الذي يقف وراء دعوتنا الى فصل التعليم الديني عن التعليم العام وحتى نحد من أثر  ادلجة الدين الاسلامي ، ولقطع الطريق امام كل من يجعل امر الدين خاصا به وينصب نفسه نائبا عن الله في الارض .

ونرجو أن لا تفهم  دعوتنا هذه  فهما خاطئا من قبل القارئ المتتبع ، ومن قبل المشرفين على امور التعليم ، او امور الدين ، لانه لو لم تنشط ادلجة الدين  انطلاقا من مؤسسات التعليم العام بمختلف مستوياته،وما دعوت الى فصل الدرس الديني عن موسسات التعليم العام ، و إلحاقه بالمؤسسات الدينية ،و أن لا يكون إلزاميا ، حتى لا ترغم الشعوب العربية وباقي شعوب المسلمين على ادلجة الدين الإسلامي انطلاقا من التعليم العمومي ، ويصير التعليم منطلقا للتنوير و إعداد الأجيال لمواجهة التحديات بدل الانغماس في التخلف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي ، ذلك التخلف الذي يصير في نظر مؤدلجي الدين الإسلامي قدرا من عند الله ، وكأن الله خلق البشر وهداهم إلى اعتناق الدين الإسلامي ليبقوا متخلفين والى الأبد . وهو أمر لا علاقة له بحقيقة الدين كما جاء في القرءان “ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك”

4) قصر التعليم الديني على العبادات وفي حدود علاقة المومن بالله مادامت الشريعة قد أدرجت في القوانين المتبعة في كل بلد من البلدان العربية وفي باقي بلدان المسلمين. وبالتالي فالذي يجب أن يدرس في المعاهد والمدارس والجامعات وكل المؤسسات المتعلقة بالتعليم العام هو القوانين التي لها علاقة بحياة الناس الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية . أما التعليم الديني الذي يلحق بالمؤسسات الدينية فيجب أن لا يتجاوز العبادات التي يحتاج إليها المؤمن .

فإذا كانت الشريعة كما هي في الكتاب والسنة وكما يمكن استنتاجها اعتمادا على علم الأصول ، وعلى قواعده ، غير معمول بها كما هي ، و إذا كانت معتمدة في القوانين الخاصة والمطبقة ، و إذا كانت مضامين تلك القوانين تدرس في المدارس والجامعات ، فإن تدريس غير العبادات في المؤسسات الدينية يعتبر مجرد مضيعة للوقت ، و إتاحة لفرصة طرح المشاكل الناجمة عن عدم تطبيق الشريعة الإسلامية  أو درس التفسير والحديث وغيرها من الدروس التقليدية التي صارت معممة على المدارس والجامعات وفي كل البلدان العربية وباقي بلدان المسلمين .

ولذلك كان لابد من الاقتصار في الدرس الديني على العبادات ، كالصلاة والزكاة والصوم والحج وهي أمور تهم المسلم في علاقته بخالقه ، وفائدتها بالنسبة للمجتمع  تقتصر على القيم الروحية التي يكتسبها الإنسان كنتيجة لتدينه ، ولممارسته الدينية والتي تستحضر البعد الاجتماعي للدين . فالصلاة تكسب الفرد التمرس على الطهارة ، وحسن المظهر ، وتجميع الأفكار الذي يقود إلى الارتباط بالواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي كما تصرف الإنسان عن الانشغال بالأمور التي تضر اكثر مما تنفع ، أي تصرفه عن التحلي بالقيم التي لا تتناسب مع مصلحة الفرد الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية لأن المصلحة الدينية، و كيفما كان الأمر، هي مصلحة فردية، روحية، و وجدانية، تكتسب اجتماعيتها من خلال وجود الفرد في المجتمع، و من خلال اعتبار المجتمع مجالا لتصريف القيم الدينية، و الزكاة تكسب الفرد قيمة التضحية و المشاركة الوجدانية و الاجتماعية للآخرين الذين يعانون من الخصاص، و الصيام يكسب الفرد قيمة الصبر و التحمل و الحج يكسبه قيمة التواصل بين الأمم و الشعوب. و هكذا فنحن عندما نبحث في العبادات عن الأمور التي تتحقق عن طريقها، سنجد أن جميع المكتسبات لا تكون إلا فردية و روحية، و ذات مصدر غيبي، لا علاقة له بالواقع العيني لذلك كانت البدايات الأولى لادلجة الدين هي بدايات فردية، و أن تلك البدايات تتحول بفعل تشابه المصالح الفردية إلى ممارسة إيديولوجية جماعية، تدفع الممارسين لها إلى ادعاء الكلام باسم الدين، و باسم الله، و باسم المتدينين، و باسم المراحل الأولى من انتشار الدين الإسلامي بين الناس، والذي أريد له في ذلك الوقت أن يعتمد على القوة في الانتشار اكثر مما يعتمد على الإقناع و الاقتناع.

و ما استعرضناه حتى الآن  يؤكد إن قصر التعليم الديني على العبادات، سيبعد الشعوب العربية، و شعوب باقي بلدان المسلمين من الوقوع في الكثير من الكوارث المترتبة عن ادلجة الدين الإسلامي التي يقف وراءها تدريس ” الشريعة الإسلامية” التي تقود إلى المقارنة بين ما ورد في النصوص الدينية، و ما هو قائم في الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي ليخرج الدارس بخلاصة “التخلي عن الشريعة الإسلامية” هو سبب جميع المصائب التي يعاني منها المسلمون. و لذلك كان لابد من العودة إلى تطبيق “الشريعة الإسلامية” و هذا الاستنتاج هو استنتاج إيديولوجي. و لتجنب هذا الاستنتاج نرى :

أ- قصر الدرس الديني في المؤسسات الدينية على العبادات.

ب- تعويض الدرس الديني في المؤسسات التعليمية العمومية بدرس آخر نسميه “التربية القانونية” التي تعتبر امتدادا للتربية على حقوق الإنسان التي أصبحنا في حاجة إليها لجعل ناشئتنا بعيدة عن التفكير في ممارسة الإرهاب. فالتربية القانونية يمكن أن يقوم بها من يتخرج من كليات الحقوق، و ما أكثرهم، لإيجاد وعي قانوني في المجتمع يعتمده الناس في التصدي لكل الأمراض الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية الناجمة عن غياب وعي قانوني متجذر بين الناس.

5) إخضاع المساجد للمراقبة الصارمة من قبل هيئات المراقبة المتكونة من ممثلي الأحزاب السياسية و النقابات و الجمعيات و المنظمات الحقوقية، التي تأثر دورها في تأطير المجتمع كثيرا بسبب استغلال المساجد لإشاعة ادلجة الدين الإسلامي. تلك الإشاعة التي لا تتوقف مع مرور الأيام. فالمساجد ليست في الواقع للعبادة، و لأداء شعيرة الصلاة في أوقاتها المحددة. و الانصراف منها إلى أمور الحياة الدنيا كما جاء في سورة الجمعة عندما يتعلق الأمر بصلاة الجمعة “يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله و ذروا البيع، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض و ابتغوا من فضل الله و اذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون” و لنفرض أن جميع الصلوات كذلك، فإن قوله تعالى “إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله” و قوله “فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض” و حسب هذين المنطوقين من القرءان فإن المساجد مخصصة للصلاة في أوقاتها المعدودة، و ما سوى الصلاة ليس إلا إقحاما للمساجد في أمور لا علاقة لها به، و كان المفروض أن تتحول إلى مدارس للدرس الديني، وفق نظام محدد و برنامج محدد، و يقوم به أشخاص يعينون من قبل الجهات المشرفة على المساجد، و يستهدف أشخاصا محددين في عمر معين، و تحت إشراف إدارة مسؤولة أمام الوزارة الوصية حتى لا يتم تصريف أمور لا علاقة لها بتلقين المتلقي للدرس الديني الذي يحتاج إليه في إحسان أداء الطقوس الدينية المتعلقة بالصلاة و الزكاة و الصوم و الحج. و الذين يرتادون المساجد لالقاء الدروس  لا يأتون لأجل جعل مرتادي المساجد يستوعبون قواعد الشعائر الدينية بقدر ما يأتون لإشاعة ادلجة الدين الإسلامي بمن فيهم الأئمة، و الخطباء لدرجة أن المساجد فقدت قيمتها كمساجد، و تحولت إلى مجرد مقرات سياسية تعرف عقد تجمعات سياسية كل يوم، و مهرجانا خطابيا كل أسبوع، و دورات تكوينية مكثفة لعموم مرتادي المساجد طيلة كل شهر رمضان. و من اعترض على ما نقوله فليستحضر ما يقوم به الأئمة كلما انعقدت صلاة من الصلوات الخمس من قولبة كيفية أداء الصلاة التي يجب أن تقولب وفق تصور معين يتناسب مع أيديولوجية معينة و مع تصور سياسي معين لقواعد تجييش مرتادي المساجد الذين يكونون غالبا ممن يعانون من المصائب التي تعج بها حياة الناس في المجتمعات العربية و مجتمعات باقي بلدان المسلمين. لأن المساجد تشكل ملاذا للهروب من تلك المشاكل التي لا يدري أحد كيف يجد لها حلولا معينة، و مؤدلجوا الدين الإسلامي يعرفون ذلك، و يستغلونه ابشع استغلال و يسعون إلى توظيفه في الاتجاه الذي يخدم مصالحهم الإيديولوجية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية وصولا إلى جعل الناس يقتنعون بالأوهام الإيديولوجية، و يعتبرون أن حلول المشاكل التي يعانون منها تتحقق  “بتطبيق الشريعة الإسلامية ” و “إقامة الدولة الإسلامية” و “إقامة الحدود” و غيرها مما له علاقة بأدلجة الدين الإسلامي. و لذلك نرى ضرورة إخضاع المساجد للمراقبة الصارمة حتى لا تتجاوز وظيفتها كمكان لاداء الشعائر الدينية المتعلقة بالصلاة، و تلقي الدروس الدينية التي تجعل المرتادين يمتلكون قواعد مختلف الشعائر الدينية، ليس إلا. و ما سوى ذلك نرى ضرورة التصدي له بما فيه ما يرد في خطب الجمعة التي يتلقون عن إلقائها مقابلا من أموال الشعوب باعتبارهم موظفين لالقاء تلك الخطب كل جمعة و دون مناقشة لأن “من لغا فلا جمعة له”. فالمراقبة صارت ضرورية لاتقاء شر ادلجة الدين الإسلامي التي أنتجت و لازالت تنتج كل أشكال الإرهاب الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي و الجسدي الذي يستهدف الأفراد و الجماعات في كل الشعوب في كل البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين.

6) تجريم إقامة مساجد عشوائية هكذا، و بدون رخصة قانونية تمكن المسؤولين من مراقبة تلك المساجد، و حمايتها من الاستغلال الإيديولوجي للدين الإسلامي. لأن إقامة مساجد من هذا النوع لا يأتي هكذا بل يدخل في إطار استغلال كافة الإمكانيات لإشاعة ادلجة الدين الإسلامي في الأحياء المهمشة المتكونة من المساكن العشوائية. و لذلك، فالبناء العشوائي لا يستثني المساجد التي صارت عشوائية بدورها، و التي بنيت بإيحاء من مؤدلجي الدين الإسلامي، و بالأموال التي تجمع بطرق غير مشروعة من سكان الإحياء المهمشة من اجل استغلالها لقولبة سكان أولئك الأحياء الذين يعانون من القهر الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي . هذا القهر المعمق الذي يسهل على مؤدلجي الدين الإسلامي قولبة سكان الأحياء المهمشة و تجييشهم وراءهم، و تربية أبنائهم على الأعمال الإرهابية التي يسمونها جهادا، و الدفع بهم إلى مهاجمة المخالفين لمؤدلجي الدين الإسلامي باعتبارهم  كفارا و ملحدين و مستوردين للأفكار الغربية، و اتباع اليهود و المسيحيين. و هي ادعاءات تعتبر بمثابة فتاوى تطلق ليقوم المجيشون بالتخلص من الموصوفين بتلك الادعاءات حتى يخلو الجو لمؤدلجي الدين الإسلامي للاستبداد بالمجتمع و تسخيره لخدمة مؤدلجي الدين الإسلامي الذين يسمونهم بأهل ” الحل و العقد” و الفقهاء و العلماء و رجال الدين ، و غير ذلك من الأوصاف التي تجعلهم مستبدين بالمجتمع في كل بلد من البلدان العربية و في باقي بلدان المسلمين. و الواقع أن مؤدلجي الدين الإسلامي ليسوا من أهل الحل و العقد ، و لا هم بالعلماء و الفقهاء و رجال الدين و لا يحزنون. انهم مجرد سماسرة السياسة باسم الدين يسعون إلى حماية مصالحهم التي تكونت عندهم بأدلجة الدين الإسلامي، كما يسعون إلى جعل المجتمع في كل بلد عربي، و في باقي  بلدان المسلمين في خدمة تلك المصالح، و تأبيد تلك الخدمة بتعميق ادلجة الدين الإسلامي نظرا لدورها التضليلي لكل المستهدفين بها، حتى يصيروا جميعا مقتنعين بأوهام ادلجة الدين الإسلامي.

و لذلك فتجريم إقامة مساجد عشوائية يبقى ضروريا على جميع المستويات وفي جميع البلدان لحماية أمن و سلامة الشعوب المستهدفة بأدلجة الدين الإسلامي، حتى يكتسب المسؤولون شرعية محاربة إقامة المساجد العشوائية و معاقبة كل من يلجأ إلى بناء مسجد عشوائي أو ثبت في حقه انه ساهم بشكل من الأشكال، لأن مجرد وجود تلك المساجد يعتبر إخلالا بالأمن الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي و المجتمعات لا تقوم إلا بقيام الأمن في مستوياته المختلفة، و نحن عندما نقول إن إقامة المساجد العشوائية في الأحياء العشوائية يعتبر إخلالا بالأمن العام، لأننا وجدنا أن معظم الإرهابيين الذين قاموا بعمليات إرهابية في جميع إرجاء العالم يتربون في المساجد العشوائية و في المساجد التي لا تخضع للمراقبة الصارمة.

و نقصد بالتجريم هنا، تضمين القوانين الحالية التي تطبق في كل بلد ما يمنع اللجوء إلى إنشاء المساجد العشوائية، و يمنع تمويلها . و المساهمة في بنائها إلا بترخيص قانوني و بمعرفة الجهة المشرفة على مراقبة المساجد حتى يخضع الشأن الديني للتنظيم المحكم و المراقبة الهادفة للحيلولة دون الاستغلال الإيديولوجي الذي يعتبر مصدرا للإرهاب بكافة أشكاله.

7) إقامة ديمقراطية حقيقية من الشعب و إلى الشعب، لأننا إذا أردنا أن نتجنب استنبات الإرهاب و تحويل المدارس و المساجد و الأحياء العشوائية إلى مشاتل لاستنبات الإرهاب علينا أن نحرص على مساهمة الجميع في إقامة ديمقراطية حقيقية و بمضمون اقتصادي و اجتماعي و ثقافي و مدني و سياسي، ديمقراطية تقتضي :

أ- وضع دستور ديمقراطي من قبل هيأة ينتخبها الشعب في كل بلد من البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين، و يعرض من اجل المصادقة الشعبية من اجل أن يعكس فعلا حق الشعب في تقرير مصيره السياسي كأساس لتقرير المصير الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي ، سعيا إلى القضاء على الأمراض الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية التي تنخر كيان كل شعب على حدة بصفة خاصة، و كيان كل الشعوب العربية و شعوب باقي بلدان المسلمين بصفة عامة.

ب-إجراء انتخابات حرة و نزيهة لاختيار ممثلي الشعب في المؤسسات التقريرية المحلية و الإقليمية و الجهوية و الوطنية الذين يلتزمون بتنفيذ البرامج التي صوت عليها الشعب من اجل تجاوز حالة التخلف الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي التي تشد الشعوب إلى الوراء، و تجعلها قابلة بادلجة الدين الإسلامي، و بشعارات الإرهابيين المتمثلة في “إقامة الدولة الإسلامية” و “الإسلام دين و دولة” و “الإسلام صالح لكل زمان و مكان” و “إقامة الاقتصاد الإسلامي” و “اللباس الإسلامي” و “السوق الإسلامي” و “الإنتاج الإسلامي” و “تطبيق الشريعة الإسلامية هو الحل” و “الإسلام هو الحل”. تلك الشعارات التي تتناقض جملة و تفصيلا مع الممارسة الديمقراطية التي يعتبرها مؤدلجوا الدين الإسلامي بدعة غربية مستوردة. و لذلك فالانتخابات الحرة و النزيهة تستحضر أهمية المساهمة الفردية و الجماعية في الحياة السياسية و أهمية التربية على المشاركة السياسية في البناء الديمقراطي و الحرص على أن تكون المنظمات المؤطرة للجماهير الشعبية الكادحة ديمقراطية فعلا تحترم إرادة منخرطيها في اختيار الأجهزة التنفيذية و التقريرية و تحمل مسئوليتهم في وضع برامج هادفة للنضال من اجل ديمقراطية انتخابية حرة و نزيهة.

ج- إنشاء حكومة من الأغلبية البرلمانية، تتحمل مسؤولية تطبيق القوانين الصادرة عن البرلمان المتناسبة مع البرامج السياسية التي حققت تلك الأغلبية، و المتلائمة مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، في كل بلد من البلدان العربية و باقي بلدان المسلمين، لأن الحكومة المنبثقة عن الأغلبية الديمقراطية، لابد أن تحرص على أن تكون ديمقراطية في تعاملها مع مختلف القضايا الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و تعاملها ذاك لابد أن يجلب انتباه الجماهير الشعبية. و لابد أن تكون تلك الجماهير مدركة  لخلفيات الممارسة الديمقراطية، و لا عيب في أن تخدم مصلحة طبقية معينة. إذا استطاعت تلك الطبقة أن تكتسب إرادة الجماهير الشعبية إلى جانبها. لأنه بالديمقراطية تتبخر أحلام مؤدلجي الدين الإسلامي في فرض استبدادهم على المجتمع باسم الدين في جميع البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين. و بالديمقراطية تتم الإطاحة بالاستبداد القائم في كل بلد على حدة لتبقى الجماهير وحدها صاحبة الرأي المضمون دستوريا، و المتجسد في المؤسسات المنتخبة، و في حكومة الأغلبية البرلمانية و في البرامج التي تلتزم بها الحكومة.

8) تقديم الدعم اللازم للأحزاب و النقابات و الجمعيات و المنظمات الحقوقية باعتبارها مؤطرة للمجتمع و مسؤولة عن تتبع ما يجري في الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، و مسؤولة عن قيادة الجماهير في أفق تحسين أوضاعها المادية و المعنوية. و العمل على نهج سياسة اقتصادية و اجتماعية و ثقافية لصالح الجماهير الشعبية المعنية بالعمل الحزبي، و النقابي و السياسي. و الدعم الذي نرى ضرورة تقديمه للأحزاب و النقابات و الجمعيات يستحسن أن لا يرتبط إلا بالقدرة على تأطير الجماهير الشعبية الكادحة و سائر الطبقات الاجتماعية الأخرى، لأن ربطه بشروط معينة سيجعل الأحزاب والنقابات و الجمعيات تسعى إلى العمالة للجهات بدل أن تسعى إلى تأطير الجماهير. و التزامها  بالشروط الموضوعة سيجعل الأحزاب و النقابات و الجمعيات التي لا تلتزم بتلك الشروط محرومة من ذلك الدعم كما يحصل في العديد من البلدان العربية و من باقي بلدان المسلمين، و تقديم الدعم المشروط و حرمان كل من رفض الشروط المطلوبة سيبقي الجماهير بعيدة عن :

أ- التأطير الحزبي، فتبقى مشاعة بسبب عدم امتلاكها للوعي السياسي الذي يعتبر امتدادا للوعي الطبقي، لمؤدلجي الدين الإسلامي الذين يوهمون الجماهير بجميع طبقاتها بالحل الإسلامي لكل المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و يستعدونها على جميع الأحزاب و في مقدمتها أحزاب اليسار التي تقتنع بالاشتراكية العلمية، و توظفها لتحليل الواقع تحليلا علميا دقيقا. و الوقوف على طبيعة علاقات الإنتاج، و موقع كل طبقة من تلك العلاقات، و هل تتناسب البنية الفوقية مع البنية التحتية في تلك التشكيلة ؟ و ما هي التناقضات القائمة في الواقع ؟ و هل هي تناقضات رئيسية ؟ أم تناقضات ثانوية ؟ و لذلك نرى أن مؤدلجي الدين الإسلامي بعجزهم  عن التحليل العلمي للواقع، يجدون أنفسهم مضطرين للتركيز بالدرجة الأولى على اليسار و على الأحزاب اليسارية، و يدركون أن قوة اليسار هي التي تحول دون التفاف الجماهير حول مؤدلجي الدين الإسلامي لعلمية تحليلهم و لا علمية تحليل مؤدلجي الدين الإسلامي، و يحولون دون قيام اليسار بدوره في تأطير الجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة. و إذا أضفنا إلى ذلك قيام الطبقات الحاكمة بفرض الحصار على الأحزاب اليسارية، و على الجماهير الشعبية الكادحة، و وقفنا على أن الأحزاب السياسية البورجوازية الصغرى، و البورجوازية، و البورجوازية التابعة و الإقطاعية تلعب دورا كبيرا في تنفيذ توجه الطبقات الحاكمة في محاصرة اليسار، و تشارك مؤدلجي الدين الإسلامي في تشويه صورته وسط الجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة الحاكمة، و خاصة عندما تكون أمية لا تملك القدرة على القراءة، و لا تستطيع امتلاك وعيها الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي كمقدمات لامتلاك الوعي الطبقي. أدركنا أن تأطير الجماهير غير وارد لأنها مؤطرة أصلا من قبل الطبقات الحاكمة في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين بمساعدة عملائها من الأحزاب و من مؤدلجي الدين الذين يتلقون جميعا دعما لامحدودا من قبل الطبقات الحاكمة، و سيدتها الإمبريالية التي من مصلحتها تغييب إرادة الجماهير الشعبية الكادحة.

ب- امتلاك وعيها الطبقي الحقيقي الذي يمكنها من المساهمة الفعالة في الحياة الجمعوية و النقابية و الحزبية، الاجتماعية و الثقافية و السياسية، لأن الحرمان من الوعي الطبقي سيبقي الكادحين بصفة عامة، و الطبقة العاملة بصفة خاصة في خدمة الطبقات الحاكمة، و رهن إشارة عملائها من الأحزاب و النقابات و الجمعيات و مشاعة لمؤدلجي الدين الإسلامي لدورهم الكبير في تضليل الكادحين و العمال حتى لا يروا ما يجري في الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي و لو كان اليسار يلعب دوره كاملا لو لم يكن محاصرا من قبل الطبقات الحاكمة، لكان دوره وراء امتلاك الطبقة العاملة و سائر الكادحين لوعيهم الطبقي الحقيقي.

ج- مساهمة الجماهير الشعبية الكادحة في النضال من اجل ديمقراطية حقيقة من الشعب و إلى الشعب لكونها واقعة تحت التضليل الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي بسبب التضليل الإيديولوجي الذي يسيطر على فكرها و يمنعها من رؤية الواقع و اعتقادها بأن جميع المشاكل ستجد حلها “بتطبيق الشريعة الإسلامية” و “إقامة الدولة الإسلامية” و “الإسلام دين و دولة” وغيرها من الشعارات التي تسيطر بسهولة على عقول الكادحين لافتقادهم أدوات التحليل العلمي التي لها علاقة بامتلاك الوعي الطبقي الحقيقي الذي يجعلها تساهم إيجابيا في النضال الديمقراطي.

د- حرمان الجماهير الكادحة من التمثيلية الحقيقية في المؤسسات التمثيلية الحقيقية المحلية و الوطنية، نظرا لأن الانتخابات التي تجريها الأنظمة العربية، و أنظمة باقي بلدان المسلمين لا تكون إلا مزورة، و الجماهير الشعبية الكادحة ليس لها رأي في تلك الانتخابات و إذا ساهمت فيها، فلأنها لا تملك وعيها الحقيقي فتسقط في تنفيذ توجيه الطبقات الحاكمة، أو تقع تحت تأثير الاغراءات المادية فتبيع ضمائرها، أو تسقط تحت تأثير الأوهام الإيديولوجية لمؤدلجي الدين الإسلامي فتعطي أصواتها لمن يعمل على فرض استبداد بديل بالمجتمع، وفي جميع الأحوال ستفقد من يمثلها في المؤسسات و من يدافع عن مصالحها المادية و المعنوية، و يوظف السلطة لفرض جعل ملكية وسائل الإنتاج اجتماعية.

ه- حرمانها من حكومة تعكس إرادتها الجادة فتلتزم كنتيجة لذلك بتنفيذ البرنامج الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي الذي صوت عليه الكادحون في الانتخابات و الذي يعبر عن مصالحهم الطبقية، و هو ما يعني أن الحكومات القائمة في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين لا تخدم إلا مصالح الطبقات الحاكمة لتبقى الجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة تقدم كل شيء، و لا تأخذ أي شيء، لأنها هي المنتجة الحقيقية للخيرات المادية و المعنوية في جميع القطاعات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و مع ذلك فهي تحرم من جميع الحقوق.

و لذلك نجد أن الطبقات الحاكمة تفرض حرمان الأحزاب و المنظمات النقابية و الجمعيات التي تؤطر الجماهير الشعبية الكادحة تأطيرا حقيقيا من الدعم حتى تعجز عن ذلك التأطير و تفقد القدرة على التواصل الإيجابي مع الجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة كما هو حاصل في البلدان العربية، و باقي بلدان المسلمين.

9) إلزام الهيئات المتلقية للدعم المادي بتقديم تقارير عن عملها إلى الدولة باعتبارها مسؤولة و إخضاع تلك التقارير إلى التقويم من قبل هيئات مستقلة، للوقوف على حقيقة قيامها بتأطير الجماهير الشعبية الكادحة. لأن الأحزاب العميلة للأنظمة القائمة في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين لا تصرف الدعم الذي تتلقاه من تلك الأنظمة في تأطير الجماهير، لأنه ليس لديها ما تؤطر به الجماهير الشعبية الكادحة، ليست لها أيديولوجية واضحة، و ليست لها تنظيمات متماسكة و متناسبة مع طبيعة الكادحين، و ليست لها مواقف سياسية معبرة عن طموحات الطبقات الشعبية في البلاد العربية وفي باقي بلدان المسلمين. و لذلك فهي تعتمد على ما تقوم به الأنظمة القائمة من تضليل أيديولوجي و سياسي كما تعتمد على يقوم به مؤدلجو الدين الإسلامي، لأن الغاية هي نفسها تضليل الكادحين و جعلهم غير قادرين على تأطير أنفسهم أيديولوجيا و سياسيا، و تنظيميا، حتى يبقى الكادحون مشاعين للأحزاب العميلة.

و بناء على هذا الواقع الذي بسطناه في هذه العجالة، نرى ضرورة أن تقوم الأحزاب بتقديم تقارير دورية، و سنوية عن أنشطتها، و أن يتم التأكد من صحة تلك التقارير قبل المصادقة عليها. لأن الأموال التي قدمت لها كدعم هي أموال الشعب، و ليست شيئا آخر، و الشعب من حقه أن يعرف أين تصرف أمواله؟ فإذا لم تصرف تلك الأموال في تأطير المواطنين، فإن على الأنظمة القائمة أن تعمل على محاكمة المسؤولين عن تلك الأحزاب، و إلا فإن ما تقدمه الأنظمة القائمة في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين إلى تلك الأحزاب من أموال الشعوب ليس إلا رشوة عن استجابتها للانخراط في ديمقراطية الواجهة، بدل الانخراط في النضال الديمقراطي الصحيح، و تصرف كهذا لا يعني إلا شيئا واحدا، و هو أن الأنظمة القائمة في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين ليست أمينة على أموال شعوبها و على الخيرات المادية و المعنوية التي تزخر بها البلدان العربية، و باقي بلدان المسلمين. و إذا كان ذلك الدعم المقدم إلى الأحزاب مجرد رشوة، فإن الشعوب العربية، و شعوب باقي بلدان المسلمين يجب أن تحاكم أنظمتها الحاكمة و أن تتحرك في اتجاه العمل على صرف أموالها، فيما يخدم مصلحتها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و أن لا يقدم الدعم إلا للأحزاب التي يثبت إنها تخلص في تأطير الجماهير على أن لا تكون قائمة على أساس ديني، أو لغوي أو عرقي. لأن تأطير هذه الأحزاب  للمواطنين لابد أن يؤدي إلى قيام نزاع عرقي-عرقي، أو لغوي-لغوي، او ديني-ديني. و هو نزاع يختلف عن حقيقة الصراع الطبقي الذي يعتبر وحده مشروعا.

و الشعوب لا يمكن أن تلعب دورها لمنع تقديم الدعم للأحزاب التي لا تؤطر الجماهير الشعبية الكادحة إلا إذا كانت هناك ديمقراطية حقيقية تضمن تحقيق الحرية، و العدالة الاجتماعية، و هو أمر يعتبر من باب المستحيلات في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين.لأن الأنظمة القائمة في هذه البلاد  هي أنظمة غير ديمقراطية، و استبدادية و مستغلة، و حامية للاستغلال الهمجي الذي تمارسه الشركات العابرة للقارات، إلى جانب همجية البورجوازية التابعة و البورجوازية و البورجوازية الصغرى. و تشجع على ادلجة الدين الإسلامي لتضليل الكادحين حتى يستمر الاستغلال الهمجي لهم على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و هو ما يجب تصدي الشعوب له و مناهضته.

10) تفعيل القوانين المتلائمة مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، لأن مجرد الملاءمة غير كاف، فأثرها على الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية لا يظهر إلا من خلال التفعيل اليومي و المستمر، لأن ذلك التفعيل وحده يضمن تمتع جميع الناس بجميع الحقوق، و إلا فإن الملاءمة لا تتجاوز أن تكون مجرد ممارسة لديمقراطية الواجهة التي لا تهم الشعوب العربية و شعوب باقي بلدان المسلمين بقدر ما تهم الجهات الخارجية التي تشترط تلك الملاءمة في التعامل مع البلدان العربية و باقي بلدان المسلمين.

و تفعيل القوانين المتلائمة مع المواثيق الدولية يفرض على المسؤولين في كل بلد :

أ- أن يقوموا بتمتيع جميع الناس بحقوقهم الاقتصادية عن طريق التوزيع العادل للثروة الوطنية في كل بلد و تمكين جميع العاطلين من العمل و رفع الأجور إلى مستوى متطلبات الحياة، و بناء اقتصاد وطني متحرر يقوم على التصنيع القائم في البلدان المتقدمة حتى يمكن ضمان المنافسة التي تقتضيها عولمة اقتصاد السوق الذي يتجاوز كل الحدود و يجعل الإنتاج الجيد يفرض الإقبال عليه في جميع مناطق العالم. و الأنظمة القائمة في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين إذا لم تعمل على تحقيق التوزيع العادل للثروة فإنها تبقي شعوب بلدانها تعاني من الفقر و الجوع و المرض، و ستجعل البورجوازيات المحلية تزداد ارتماء في أحضان البلدان الرأسمالية، و تزداد تبعية لها. و تحول بلدانها إلى مجرد سوق استهلاكية للبضائع التي تجلبها تلك البورجوازية من البلدان الرأسمالية، و إتاحة الفرصة أمام الشركات العابرة للقارات للسيطرة على اقتصاديات الدول العربية، و دول باقي بلدان المسلمين، و تبقى الشعوب محرومة من حقوقها الاقتصادية كما هو حصل الآن.

ب- أن يقوموا بتمتيع جميع الشعوب بالحقوق الاجتماعية كالتعليم و السكن و الشغل و التنقل و الترفيه وغيرها من الحقوق الاجتماعية التي يحرم منها معظم شعوب البلاد العربية، و شعوب باقي بلدان المسلمين، كما يدل على ذلك ارتفاع نسبة الأمية في معظم البلدان، و حرمان  الجماهير الشعبية الكادحة من الحق في العلاج المناسب لمختلف الأمراض الجسدية التي تعاني منها بسبب إعطاء الأولوية للخوصصة الصحية، و لكون المستشفيات العمومية صارت بمثابة مؤسسات خاصة تكلف المرضى الذين يزورونها اكثر من طاقتهم. و كما يدل على ذلك حرمان معظم الكادحين من السكن اللائق الذي تتوفر فيه شروط للكرامة الإنسانية و كثرة العاطلين من خريجي المدارس و الجامعات بدعوى غياب المؤهلات التي تجعلهم يقومون بعمل مفيد في المجتمع.

ج- أن يقوموا بتمتيع جميع الشعوب بالحقوق الثقافية التي تمكن جميع أفراد الشعب الواحد بتلقي نفس الثقافة، و بواسطة المكونات الثقافية المختلفة على أساس المساواة فيما بينها دستوريا و قانونيا حتى تلعب دورها في إنتاج القيم المفيدة في تحقيق وحدة كل شعب على حدة. و في تحقيق كرامة الإنسان التي بدونها لا تتحقق إنسانية الإنسان، و الشعوب العربية بالإضافة إلى شعوب باقي بلدان المسلمين تعاني من القمع الثقافي عن طريق فرض لون معين من الثقافات في كل بلد على حدة و قمع ما سواه، و توفير كافة الإمكانيات المادية و المعنوية لإشاعة ثقافة ادلجة الدين الإسلامي، و ثقافة البورجوازية و البورجوازية التابعة، و الثقافة الإقطاعية، في الوقت الذي توظف فيه جميع الإمكانيات المتوفرة الحاملة للقيم التي تجعل الكادحين يحرصون على التمتع بكرامتهم. فظاهرة قمع الثقافة التقدمية اصبح ممارسة يومية لجميع الأنظمة القائمة و جميع الأحزاب الرجعية إضافة إلى مؤدلجي الدين الإسلامي الذين لا يمكن وصفهم إلا بالممارسة الليكودية المتطرفة.

د- أن يقوموا بتمتيع جميع الشعوب بالحقوق المدنية حتى تتحقق المساواة في الحقوق و في الواجبات أمام القانون و بين الجنسين، و بين الطبقات و بين الحكام و المحكومين، باعتبار تلك المساواة جوهر حقوق الإنسان، و جوهر الممارسة الديمقراطية، و جوهر كرامة الإنسان. غير أن الأنظمة الحاكمة في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين، لا تسعى إلى تمتيع الشعوب بالحقوق المدنية، لأنها لا ترغب في تحقيق المساواة بين الناس لكون أنظمتها أنظمة طبقية ليس من مصلحتها تحقيق تلك المساواة لتناقضها مع المصالح الطبقية للطبقات الحاكمة. و لذلك يكون الحرمان من الحقوق المدنية هو السائد، فتتكرس بذلك التفرقة بين الرجال و النساء، و بين الطبقات الاجتماعية، و بين الحكام و المحكومين و أمام القانون في كل بلد من البلدان العربية و باقي بلدان المسلمين.

ه- أن يقوموا بتمتيع جميع الشعوب بالحقوق السياسية، و أهمها الحق في تقرير مصيرها الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي عن طريق وضع دستور ديمقراطي، و إجراء انتخابات حرة و نزيهة و تكوين حكومة من أغلبية البرلمان تلزمهم بتنفيذ البرنامج الحكومي المصادق عليه في البرلمان، و الأنظمة في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين. و نظرا لطبيعتها الاستبدادية، و لمعاداتها لحقوق الإنسان بصفة عامة، و لحقوقه السياسية بصفة خاصة. فإنها لن تمكن الشعوب في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين من الحقوق السياسية، فتبقى محرومة من حقها في تقرير مصيرها الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، و من المصادقة على دستور ديمقراطي في كل بلد، و من انتخابات حرة و نزيهة تعكس إرادة كل شعب على حدة في إيجاد مؤسسات محلية و وطنية، و من وجود حكومة  من الأغلبية البرلمانية لتسود إرادة الطبقات الحاكمة التي تستبد بالمجتمع و تسخره لخدمة مصالحها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية و في خدمة مصالح الرأسمال العالمي، و خاصة في ظل عولمة اقتصاد السوق.

و لذلك فالنضال من اجل قوانين متلائمة مع المواثيق الدولية، و العمل على تفعيلها في حالة تحققها يعتبر جزءا من النضال اليومي لكافة  المواطنين و المناضلين الحقوقيين و الجمعويين و النقابيين و الحزبيين إلى أن تصير القوانين المحلية في كل بلد متلائمة مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، و تتفعل تلك القوانين. و حتى تصير الشعوب العربية و شعوب باقي بلدان المسلمين متمتعة بحقوقها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية لتحقق بذلك كرامتها التي تم دوسها في مختلف العصور على يد الحكام من جهة، و على يد مؤدلجي الدين الإسلامي من جهة أخرى.

11) القيام بحملات إعلامية مكثفة، و بمختلف الوسائل ، و من قبل جميع الأحزاب و النقابات و الجمعيات، و المنظمات الحقوقية من اجل بث الوعي الحقيقي بين الناس بخطورة استغلال الدين الإسلامي لصالح السياسة. لأن الدين الإسلامي هو دين لجميع المومنين به لا فرق فيه بين عربي و عجمي و لا بين ابيض و اسود إلا بالتقوى، و ما دام لجميع الناس فاستغلاله عن طريق ادلجته لصالح السياسة يعتبر انتهاكا لحرمة الدين، و تحريفا له، إلحاقه بالديانة المحرفة لليهود، و الديانة المحرفة للمسيحيين. لأن الادلجة صارت تقتضي أن يعبر الدين الإسلامي عن مصلحة طبقة معينة، أي انه لا يصير للناس جميعا كما كان عندما كان يخاطب الناس بقول الله في القرآن “يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة” بل صار لطبقة معينة لها نخبة معينة تنتظم في حزب معين له زعيم معين ترتفع علاقة الحزبيين به إلى درجة القداسة فيصير ندا له كما هو الشأن بالنسبة لجميع الزعماء الدينيين، و لجميع زعماء الأحزاب الدينية في البلاد العربية، و في باقي بلدان المسلمين، و التقديس الذي لا علاقة له بالرموز الوطنية لا يمكن أن يكون إلا إشراكا بالله، و الشرك بالله غير مقبول في الإسلام. و قد رفض القرآن تقديس شخصية الرسول عندما قال ” قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى  إلي ” و عندما قال “و ما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل” و قول الرسول نفسه “لا تطروني كما اطرت النصارى عيسى” خوفا من أن يعبد بعد الله فيتحول الإسلام  إلى دين للشرك فيفقد مبرر مجيئه. و لذلك كانت ادلجة الدين الإسلامي أمرا منبوذا إسلاميا، و يجب أن يكون منبوذا جماهيريا حتى لا يصير الدين الإسلامي معبرا عن مصالح طبقة معينة.

و لجعل الدين الإسلامي بعيدا عن الاستغلال الإيديولوجي و السياسي نرى ضرورة استغلال جميع وسائل الإعلام المقروءة و المسموعة و المرئية سواء تعلق الأمر بالصحف و المجلات و الكتب أو بالإذاعة أو بالتلفزيون أو بشبكة الانترنيت من اجل :

أ- توعية الناس بحقيقة الدين الإسلامي انطلاقا من القرءان الكريم بعد الوقوف على أسباب النزول و على الناسخ و المنسوخ، وصولا إلى ذلك الصفاء للرؤية الدينية التي تغذي روح الإنسان بالقيم النبيلة التي تدفعه إلى الحرص على تحقيق كرامته على وجه الأرض انطلاقا من الواقع.

ب- حقيقة الإيديولوجية و طبيعتها الوهمية و تعبيراتها الطبقية، و كيف أن الإيديولوجية هي الوسيلة لوجود الشعور الطبقي داخل الطبقة الواحدة ، و ضرورتها لقيام تيار سياسي، أو حزب سياسي معين حتى يبنى عليها تصوره التنظيمي و مواقفه السياسية.

ج- حقيقة ادلجة الدين الإسلامي كنتيجة للجوء إلى تأويل النص الديني بما تقتضيه المصلحة الطبقية سواء تعلق الأمر بالمدعين للكلام باسم الدين، أو تعلق بالطبقة الحاكمة، أو تعلق بالإقطاع أو بالبورجوازية التابعة أو بالبورجوازية أو بالبورجوازية الصغرى، أو بمؤدلجي الدين الإسلامي للوصول إلى مراكز القرار، أو بمؤدلجيه الذين يحولون نصوصه إلى برامج سياسية يسعون إلى فرض تطبيقها بقوة السلاح، و بالتصفية الجسدية لكل رافض لتلك الادلجة باعتباره كافرا أو ملحدا أو أي مبرر آخر للقتل.

د- الغاية  من الادلجة التي تختلف من ادلجة طبقية إلى ادلجة طبقية أخرى. فالمتكلمون باسم الدين لهم غاية محددة تتناسب مع مستوى ادلجتهم للدين الإسلامي. و الطبقة الإقطاعية لها غايتها من الادلجة التي تتناسب مع طبيعتها الطبقية و غاية البورجوازية التابعة تختلف عن غاية البورجوازية و البورجوازية الصغرى، لاختلاف درجة الادلجة من طبقة إلى أخرى . أما غاية مؤدلجي الدين الإسلامي فتتجسد في تجييش الكادحين و المقهورين ، و المنحرفين و المشردين لتحقيق :

– إما الوصول إلى مراكز القرار لجعل ادلجة الدين هي أيديولوجية المجتمع ككل.

– و إما الوصول إلى الاستبداد بالمجتمع ككل و توظيفه لخدمة مصالح مؤدلجي الدين الإسلامي الاستبدادية و التأبيدية للاستبداد.

و للقيام بتلك الحملات لابد من وجود كفاءات إعلامية و فكرية و حزبية و نقابية و جمعوية و حقوقية لها دراية علمية بالدين الإسلامي، و بأدلجة الدين الإسلامي، و بخلفيات تلك الادلجة  حتى تؤتي تلك الحملات الإعلامية أكلها، و يمتلك الناس جميعا خطورة ادلجة الدين الإسلامي، و يشرعون في مقاومة تلك الادلجة، و المحافظة على الدين الإسلامي سالما من كل تحريف أيديولوجي أو سياسي يلحقه من قبل المؤدلجين حتى يكون الدين الإسلامي لله لا لشيء آخر.

12) وضع برنامج مكثف و محدد تلتزم الدولة بموجبه بالقضاء على آفة البطالة لأن هذه الآفة هي التي تدخل ضمن أرضية التخلف و التردي الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي الذي يستغله مؤدلجوا الدين الإسلامي  لتجييش جميع المقهورين لتحقيقهم أهدافهم المتمثلة في الاستبداد بالشعوب العربية و شعوب باقي بلدان المسلمين. و القضاء على البطالة يقتضي :

أ- وجود برنامج مكثف و هادف بأبعاده الاقتصادية الصناعية و الثقافية على غرار البرامج الحكومية في البلاد المتقدمة التي تخلص في تطبيق الممارسة الديمقراطية بمضمونها الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي لأن جوهر أي برنامج حكومي هو استحضار الممارسة الديمقراطية التي تكسبه حصانة ضد كل أشكال الفساد التي تتخلل عادة تنفيذ البرامج الحكومية في البلاد العربية، و في باقي بلاد المسلمين.

ب- التدقيق في بنود البرنامج، و مرحلة اجرأة تلك البنود حتى يتبين للجميع إلى أي حد تخلص الحكومات العربية و حكومات باقي بلدان المسلمين في النهوض بكل بلد على حدة عن طريق إحداث مشاريع تنموية تساهم بشكل كبير في إيجاد مناصب شغل تمتص العاطلين في المجتمع. و هذه المشاريع يراعى فيها أن تكون صناعية أو خدماتية لها علاقة مباشرة بحاجيات المواطنين الضرورية كالتعليم و الصحة و السكن و الخدمات البلدية الحضرية و القروية.

ج- العمل على إيجاد مصادر تمويل محلية تغني الحكومات العربية وحكومات باقي بلدان المسلمين عن الوقوع في اسر الاستدانة الخارجية التي ترهن العديد من البلدان في خدمة الدين فتحرم من إحداث تنمية اقتصادية و اجتماعية و ثقافية. لأن الاعتماد على الإمكانيات الذاتية في التنمية تخرج البلاد من دائرة التبعية و تدخلها في دائرة التحرر الوطني الذي يمكن الدولة، أي دولة من الانخراط في عولمة اقتصاد السوق من الباب الواسع لأن التحرر الوطني لا يتم إلا  بالعمل على جودة الإنتاج، و كثافة ذلك الإنتاج، و انخفاض تكلفته حتى يجد طريقه إلى المنافسة التي يمكن أن تكون مشروعة.

د- و للوصول إلى الاستقلال عن الارتباط بالمؤسسات الدولية، يجب أن يركز البرنامج الحكومي في كل بلد على حدة على ربط التعليم بالتنمية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية حتى لا تهدر أموال الشعوب في تعليم لا ينتج إلا ادلجة الدين الإسلامي و مؤدلجيه، و خريجين قابلين للتجييش و مساهمين فيه، لأن ربط التعليم بالتنمية يساعد على إنتاج وطني متطور و مبدع و يقطع الطريق أمام الانشغال بالتوافه التي تضر اكثر مما تنفع.

ه- إخضاع اجرأة البرنامج الحكومي أثناء التطبيق و التفعيل و الاجرأة اليومية للمراقبة البرلمانية و الشعبية في نفس الوقت حتى يكون الجميع على بينة مما يجري. و حتى يساهم الجميع في نفس الوقت في عملية التطوير و الاجرأة، و السعي إلى التفكير في البرامج المستقبلية التي يجب أن تكون اكثر تطورا واكثر  إفادة للشعوب العربية و شعوب باقي بلدان المسلمين. و ممارسة كهذه تنتج تربية الناس على تتبع ما يهم حياتهم الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، أي تتبع الواقع و ما يجري  فيه بدل تتبع ادلجة الدين الإسلامي و ما يقوم به المؤدلجون, و ما يرسمونه من أعمال إرهابية تدخل البلاد العربية، و باقي بلدان المسلمين في متاهات التخلف الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، و تشوه صورة الإنسان العربي و المسلم في جميع أنحاء العالم.

و بذلك تلعب البرامج الحكومية أدوارا محددة و هادفة في التسريع بالتنمية التي تمتص جيوش العاطلين الذين تساهم كثرتهم في البلاد العربية و في بلدان المسلمين في المزيد من التخلف الذي لا يشرف هذه البلاد الواسعة الأطراف بقدر ما يجعلها مصدر إزعاج للعالم.

14) العمل على وضع حد نهائي للامية الأبجدية و الانتقال إلى محاربة أشكال الأمية الأخرى عن طريق القيام بالحملات الإعلامية اللازمة، بشرط أن تكون تلك الحملات عينية، و بواسطة وسائل الإعلام المقروءة و المسموعة و المرئية من اجل إقناع الأميين ذكورا و إناثا، رجالا و نساء من اجل الانخراط فيها، وفق برنامج محدد في الزمان و المكان، و الأهداف، و في المدن و البوادي، و بمساهمة الأطر التعليمية التي تكون ملزمة بالقيام بهذه المهمة كخدمة مدنية تقدم للشعب و الوطن في كل بلد عربي و في باقي بلدان المسلمين لوضع حد للامية. و لتحقيق المساواة الفعلية بين المواطنين في الحقوق و الواجبات نرى :

أ- توفير المقاعد الدراسية لجميع الأطفال في سن التمدرس، و في جميع أماكنهم، و في إطار نهج سياسة تعليم شعبي، و تحت إشراف جهاز للمراقبة يتشكل من مراقبي الدراسة العادية للأقسام، و من مسؤولي جمعيات الآباء و المسؤولين عن المؤسسات و من ممثلي رجال التعليم في اللجان المتساوية الأعضاء، و من نواب الوزارات، و ممثلي السلطات المحلية من اجل ضمان توفير المقاعد، و تسجيل جميع الأطفال و توفير الأطر التعليمية الضرورية في كل أماكن  تواجد المدارس و الأطفال في البلاد العربية، و باقي بلدان المسلمين.

ب- إخضاع المعلمين و الأساتذة من ذوي المردودية المتدنية، للمساءلة، و عرضهم على المجالس التأديبية بسبب عدم قيامهم بواجبهم تجاه أبناء الشعب في كل بلد من البلدان العربية و في باقي بلدان المسلمين حتى نضع حدا لاهدار المال العام الذي يتقاضاه الأساتذة و المعلمون الذين لا يقومون بمهامهم المنوطة بهم، و لتدني  المستويات التعليمية بسبب عدم قيام الأساتذة و المعلمين بدورهم مع تلامذتهم.

ج- اعتبار الاشتغال في وظيفتين تعليميتين من قبل نفس الأستاذ أو نفس المعلم جناية مرتكبة في حق العاطلين  من خريجي الجامعات و المعاهد و المدارس ممن لا يجدون عملا كما يحصل عندما يقوم معلم أو أستاذ بالتعاقد مع مدرسة من مدارس التعليم الخاص، و عرضهم على لجان التحقيق و إحالتهم على القضاء حتى يقول كلمته في جريمة الوقوف وراء حرمان الآخرين من العمل.

د- اعتبار الساعات الإضافية التي يقدمها المعلمون و الأساتذة  إلى التلاميذ في بيوتهم في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين جريمة في حق الأجيال الصاعدة، لأنها تحرم جميع التلاميذ من مبدأ تكافؤ الفرص لأن نفس التلاميذ في نفس المستوى يتلقون حصصا متفاوتة في نفس المادة مما يؤدي إلى حرمان الفقراء و المعدمين من استئجار الأساتذة و المعلمين لتقديم حصص إضافية إلى أبنائهم التلاميذ. و إذا أضفنا إلى ذلك تقاعس الأساتذة و المعلمين عن القيام بالمهام الموكولة إليه في القسم كما يجب فإننا ندرك حجم خطورة إمداد التلاميذ بحصص إضافية في بيوتهم على مستقبل الأجيال، لأن تلك الحصص تحول التعليم بامتياز إلى تعليم طبقي. و التعليم الطبقي لا يمكن أن يكون إلا تعليما نخبويا يكرس استمرار انتشار الأمية عن طريق المدارس التي تصرف فيها الأموال الكثيرة التي لا حدود لها. ولذلك نرى ضرورة إخضاع هذا النوع من المعلمين و الأساتذة إلى المساءلة و التحقيق، و تقديمهم للمحاكمة التي تقول كلمتها فيهم.

ه- تكليف رسمي من قبل جميع العاملين في التعليم و في جميع الوظائف العمومية على قضاء نصف عطلتهم  السنوية في محاربة كافة أشكال الأمية و بدون تعويض كواجب وطني، و في إطار اوراش منظمة ينخرط فيها جميع أفراد الشعب رجالا و نساء. و تستغل فيها المدارس و المعاهد و الجامعات من اجل تطوير الإنسان حتى تكون انتاجيته الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية اكثر مردودية تجاه الشعوب العربية، و شعوب باقي بلدان المسلمين، و كل من رفض القيام بمهمة محاربة  شكل معين من أشكال الأمية التي تعاني منها الشعوب يعرض على المساءلة و التحقيق و المحاكمة.

و- إنشاء الصندوق الوطني لمحاربة أشكال الأمية التي يعاني منها الناس في كل بلد من البلدان العربية، و من باقي بلدان المسلمين يقتطع لحسابه 1% من الدخل الوطني، و من أجور العاملين في جميع القطاعات، من اجل تمويل عملية محاربة الأمية المستمرة طيلة السنة، و التي يوظف القدر الكافي من العاطلين الذين تغص بهم المدن و القرى من حاملي الشهادات العليا، و تحت إشراف مؤسسة محاربة الأمية التي تنشأ في كل بلد لهذا الغرض.

ب- وضع برنامج محدد لمحاربة الأمية ينفذ على مراحل، و يشمل جميع المستويات التعليمية حتى لا يحرم المواطن، أي مواطن من الحق في التعليم، و من الاستمرار فيه إلى مستوى نيل أعلى الشهادات أسوة بالمتعلمين، و يراقب تنفيذه من قبل الجهات المكلفة بالمراقبة حتى يتم تنفيذ بنوده كما يجب.

ج- اشتراط الحصول على شهادات معينة لاعطاء رخص معينة للقيام بأعمال تجارية، أو حرفية، أو صناعية حتى يعمل الأميون على محاربة أميتهم و يسعون إلى الحصول على الشهادات التعليمية التي تمكنهم من التمتع بحقوق معينة حتى لا يبقى تمتيع الناس بحقوقهم المختلفة خاضعا لارادة الحاكمين.

د- و نحن نرى أن تنظيم الناس في الجمعيات و النقابات و الأحزاب يحب أن يصير رهينا بالحصول على أدنى الشهادات التعليمية حتى لا يصير الحزبيون مجرد جيش من جيوش القائد الحزبي، و النقابيون مجرد اتباع للقائد النقابي و المنخرطون في الجمعيات مجرد مأمورين من قبل القائد الجمعوي بسبب أميتهم. و لذلك فاشتراطنا مستوى معين من التعليم يكون منصوصا عليه في الأنظمة الداخلية للأحزاب و النقابات و الجمعيات حتى تساهم جميع التنظيمات في محاربة الأمية بشكل مباشر و غير مباشر.

و بذلك يتبين أن العمل على وضع حد نهائي للامية الأبجدية، و الانتقال إلى محاربة أشكال الأمية الأخرى هو مهمة اجتماعية، و مهمة الأحزاب و الجمعيات، و النقابات، و مهمة الدولة و جميع المؤسسات التابعة لها. و وجود الأمية و استمرار انتشارها بين السكان يبين إلى أي حد يمكن اعتبار أن الجهات المعنية بمحاربة الأمية لم تقم و لا تقوم و لا يظهر أنها ستقوم بدورها كاملا ، ماضيا، و حاضرا، و مستقبلا.

14) محاربة السكن العشوائي، و إعطاء الأولوية لإيجاد سياسة سكنية معينة، لأن السكن العشوائي المنتشر على أطراف المدن، و الذي كان نتيجة للهجرة القروية إلى مختلف المدن في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين يشكل مصدرا لكل أشكال التخلف التي تعرفها مختلف المدن على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و تعتبر مجالا لتحرك مؤدلجي الدين الإسلامي من مختلف أماكن العالم لبث تلك الادلجة، و جعلها متمكنة من العقول و النفوس و المسلكيات و غيرها. حتى تصير الجماهير المقيمة في الأحياء العشوائية قابلة للتجييش، و مستعدة لتنفيذ الأوامر التي تتلقاها في أفق المساهمة في “الجهاد” من اجل إقامة “الدولة الإسلامية” التي تشرف على “تطبيق الشريعة الإسلامية” من منطلق أن الإسلام “دين و دولة” و أن جميع المشاكل ستجد حلها على يد “الدولة الإسلامية” التي هي “حكم الله في الأرض” الذي يتولاه أهل “الحل و العقد” الذين ليسوا إلا مؤدلجي الدين الإسلامي. و للوصول إلى تجنب المشاكل الناجمة عن استغلال الأحياء الهامشية كمجال لإشاعة ادلجة الدين الإسلامي، و تجييش السكان، و إعدادهم لتنفيذ الأوامر التي يتلقونها، نرى ضرورة :

أ- الاهتمام بمكان هذه الأحياء، و معرفة مطالبهم الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و العمل على تلبية تلك المطالب من اجل الحصول على الحقوق المختلفة التي يحرم منها سكان الأحياء الهامشية من جهة، و من اجل إدماجهم في المدن من جهة أخرى حتى يقووا على مواجهة مطالب الحياة باطمئنان.

ب- العمل على تشغيل العاطلين المتواجدين في تلك الأحياء تجنبا للجوء إلى القبول بالأعمال الدنيئة و المنحطة، و تجنبا للقيام بأعمال السرقة، و الاتجار في المخدرات و استهلاكها و أشياء أخرى مما لا له علاقة بالحزبية المنظمة أو غير المنظمة. و لذلك فقيام المسؤولين عن مختلف المدن، و في إطار سياسة التشغيل العامة، بتشغيل أبناء  الأحياء الهامشية في مختلف القطاعات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و الإدارية يعتبر مسألة أساسية بالنسبة لسكان الأحياء الهامشية، الذين يصيرون مدمجين في المدن التي يعيشون في أحيائها الهامشية.

ج- توفير المقاعد الكافية لدراسة أبناء الأحياء الهامشية حتى تنشأ أجيالها على العلم و المعرفة، و كل ما يساهم في تطوير الاقتصاد و الاجتماع و الثقافة.

د- توفير المستوصفات و المراكز الصحية و المستشفيات الخاصة بالأحياء الهامشية تكون مهمتها  تقديم الخدمات الصحية اللازمة لسكان تلك الأحياء و بالمجان، و دون قيام المسؤولين باستغلال أوضاعهم المادية و المعنوية.

ه- إنجاز البنيات التحتية في تلك الأحياء كالكهرباء و الصرف الصحي، و الماء الشروب حتى يشعروا بحفظ كرامتهم الإنسانية التي لا تتناسب معها وضعية الأحياء الهامشية كما هي عليه الآن.

و- ربط هذه الأحياء بشبكة الطرق حتى تكون لها علاقة بالمدينة، و بالطرق الوطنية في كل دولة على حدة، و حتى تساهم و تستفيد من الحركة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و تذوب في الوحدة الوطنية، و يذوب فيها البعد الوطني و تزول الغربة عن سكانها.

ز- إنشاء دور الشباب و المراكز الثقافية بالقرب من الأحياء الهامشية حتى يساهم ، و يستفيد أبناؤها من جميع الأنشطة الثقافية التي تجري في دور الشباب و المراكز الثقافية التي تفتح عيون الشباب على ما يجري في العالم من تحول، و تطور في جميع المجالات و تجعلهم ينخرطون في تطوير ما هو محلي، و ما هو وطني اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا.

ح- توفير الأمن اللازم لأجل حماية الأحياء الهامشية من تجار المخدرات، و من مختلف العصابات، و من مؤدلجي الدين الإسلامي الذين يعتبرون هذه الأحياء معسكرات للتجييش و التدريب و الانطلاق للقيام بمختلف العمليات التي  تقتضيها ادلجة الدين الإسلامي بواسطة القوة و تجييش المجتمع ككل.

و بهذه الخطوات نستطيع أن نحول السكن العشوائي إلى سكن لائق لا يختلف في شيء عن السكن الآخر الذي يندمج سكانه في محيطهم و يساهمون في بنائه و تطويره، و التفرغ إلى ما هو أسمى من الاشتغال على أوهام ادلجة الدين الإسلامي.

15) اعتبار الصحة حقا للجميع، و تجريم استغلال معاناة الناس من المرض للإثراء السريع، لأن الهيئات المكلفة بالمرضى تعمل على أن تستفيد من الأوضاع الصحية المتردية للمواطنين. فتلجأ إلى ممارسة كافة أشكال الابتزاز على المرضى من اجل تحقيق الثراء المادي الذي يجعل الأطباء من كبار الأثرياء حتى لا نقول من كبار الرأسماليين. و عمل كهذا يؤدي بالضرورة إلى حرمان الكثير من المرضى الفقراء و المعوزين من العلاج كحق، فيحرمون منه. ليرتكب الأطباء جرائم الامتناع عن معالجة المرضى الفقراء و المعوزين، و خاصة أولئك الذين يشتغلون في القطاع العام. و في القطاع الخاص يبقى الخيار للأطباء الذين يقومون بعمل حر في ميدان الصحة.

و لذلك نجد أن على الدولة أن تمد المستوصفات و المراكز الصحية، و المستشفيات بالأطر الكافية و الأدوية  اللازمة حتى تقوم تلك المؤسسات بدورها في محاربة مختلف الأمراض الجسدية و النفسية و العقلية للحفاظ على سلامة المواطنين كحق من حقوقهم الاجتماعية التي على المسؤولين أن يضمنوا توفرها لجميع المواطنين على السواء.

و على الوزارة الوصية على صحة المواطنين أن تقوم بتشكيل هيئات للمراقبة الصحية للمواطنين عن طريق تلقي الشكايات، و عن طريق مراقبة أداء المستوصفات، و المراكز الصحية و المستشفيات و الأطر الصحية على مختلف مستوياتها، و إخضاع الجهات المقصرة للمساءلة القانونية على مستوى الجهة الوصية أو على مستوى القضاء إن اقتضى الأمر ذلك. حتى تصير الصحة حقا للجميع، لا فرق في ذلك بين مواطن و آخر مهما كان شأنه.

فالسياسية الصحية الناجعة هي مسؤولية جميع المواطنين، و جميع الهيئات، و جميع المؤسسات الصحية، و مسؤولية الدولة أساسا، لأنها هي المعنية بمحاربة مختلف الأمراض في صفوف المواطنين و إلا فإن على المرضى أن يشكلوا هيئات للمطالبة  باستحضار الاهتمام اللازم و الكبير بأوضاعهم الصحية، و أن تعمل هذه الهيئات على فضح و تعرية مختلف الممارسات التي تؤدي إلى ارتكاب قصور معين في حق المرضى. و مهما كانت الجهة التي ارتكبت ذلك القصور حتى و إن اقتضى الحال عرض الأمر على المحاكم المختصة، أو طرح القضايا الصحية أمام المنظمات الحقوقية و الوطنية و الدولية التي تأخذ ذلك بعين الاعتبار في تحركها اتجاه المنتديات الدولية. فالمعروف في مثل هذه الحالة أن يتلقى المرضى العلاج اللازم، و المنكر أن يحرم المرضى من حق العلاج.

16) فرض الضمان الصحي لجميع أفراد الشعب في كل البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين. لأن الناس عندما لا يتوفرون على ضمان صحي معين، فإنهم يبقون عرضة لكافة الأخطار ، فلا تستقبلهم المستشفيات، و لا يتلقون تعويضا عن قيمة العلاج الجسدي، أو النفسي أو العقلي. و الدول التي لا تعمل على تعميم الضمان الصحي، ترتكب جرائم كبيرة في حق الشعوب. و لذلك، فكل مواطن و مهما كان شأنه، فإنه يصير من الضروري أن ينخرط في صناديق الضمان الاجتماعي التي تهتم بعلاج منخرطيها من مختلف الأمراض التي تصيبهم، و أن تقوم الدولة بتأدية واجب انخراط العاطلين عن العمل، و أطفالهم لتحملها مسؤولية عدم توفير مناصب الشغل الكافية. و من حق المواطنين المحرومين من الانخراط، و وفق القانون المعمول به في كل بلد على حدة، و الذي يجب أن يكون متلائما مع المواثيق الدولية، أن يلجأوا إلى القضاء، و عبر تنظيماتهم التي ينشئونها لهذا الغرض و إلى المنظمات الحقوقية الدولية و الوطنية، و فضح و تعرية ممارسة الدول القائمة في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين في هذا الشأن، حتى تلتزم الدول، بإلزام جميع مواطنيها بالانخراط في صناديق الضمان الاجتماعي لمساعدة المواطنين على التمتع بحقوقهم الصحية التي قد يحرمون منها بسبب فقرهم، أو عجزهم عن أداء واجبات العلاج كما يحصل في البلاد العربية، و في باقي  بلدان المسلمين، و حتى يصير الناس في هذه البلدان كسائر البشر في جميع أرجاء الأرض، يتمتعون بنفس الحقوق و يقومون بنفس الواجبات.

17) اعتبار تصنيع البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين، ذا أولوية قصوى، لأن التحديث بدون تصنيع لا يمكن أن يقوم أبدا، و لأن التصنيع يقوم على أساس تحديث اقتصادي و اجتماعي و ثقافي و مدني و سياسي شامل، بل و يفرض ذلك التحديث.

فهو يأتي في إطار اقتصاد وطني متحرر من التبعية و من الارتباط بالمؤسسات المالية الدولية، و من سيطرة الشركات العابرة للقارات على الاقتصاد الوطني و من اسر الانشداد إلى الماضي حتى يصير قادرا على الإبداع في جميع المجالات الصناعية و التجارية و الزراعية وغيرها مما يفرض قيام إنتاج يلبي حاجيات المجتمع، و حاجيات السوق العالمية في نفس الوقت. و يحرص في نفس الوقت على قيام إنتاج ذي جودة عالية و بتكلفة تتناسب مع القدرة الشرائية للمستهلكين على المستوى الوطني، و على المستوى العالمي. فالاستجابة لحاجيات السوق و الحرص على الجودة العالية من أهم ما يجب أن يتوفر في الاقتصاد الوطني المتحرر الذي يطلب منه القيام بالمنافسة على المدى المتوسط و البعيد.

و التحديث الصناعي يستلزم قيام تعليم يستجيب لحاجيات السوق الصناعية، و في إطار ربط التعليم بالتنمية الاقتصادية و الاجتماعية بصفة عامة، و بالتنمية الصناعية بصفة خاصة سعيا إلى قيام وحدة اقتصادية اجتماعية متكاملة. لأن التعليم إذا لم يرتبط بالتنمية لا ينتج إلا التخلف، و لا يعمل إلا على إرجاع البلاد إلى الوراء كما حصل عندما صار وسيلة لنشر ادلجة الدين الإسلامي التي تعتبر مصدرا للتخلف على جميع المستويات.

و حتى يتم ضمان أمن الاستمرار في التحديث الصناعي يجب تلبية مطالب الكادحين في السكن و الشغل و التطبيب و تعميم  التعليم، و الحماية الصحية و الاجتماعية حتى يستعد الجميع، و دون عوائق تذكر  لانجاز ثورة التحديث الصناعي باعتباره قاعدة مادية لأي تحديث من نوع آخر.

و التحديث الصناعي لا يقوى و لا يستمر إلا بانتشار قيم ثقافية تساعد على النظر إلى المستقبل الذي يتطور فيه كل شيء، لأنه بدون ثقافة تتناسب مع التحديث الصناعي، فإن التحديث نفسه سيصطدم مع مسلكيات التخلف و الرجعية  المعادية لكافة أشكال التحديث، سواء تعلق الأمر بالتجارة أو الصناعة أو الزراعة أو التعليم أو الثقافة أو السياسة  حتى تبقى الرجعية متمكنة من كل شيء في هذا الواقع.

و التحديث الصناعي لا يتم إلا في إطار دولة الحق و القانون التي تقتضي قيام دستور ديمقراطي، و إجراء انتخابات حرة و نزيهة تفرز مؤسسات تمثيلية حقيقية تعكس إرادة المواطنين و تحترم تلك الإرادة و قيام حكومة منبثقة عن صناديق الاقتراع تقوم بتطبيق القوانين المتلائمة مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، حتى تعطي للديمقراطية مضامينها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، لتصير بذلك الوضعية السياسية مناسبة لقيام تحديث صناعي، و الاستمرار في ذلك التحديث، الذي لابد أن تكون له آثار إيجابية على المستوى البعيد.

18) الاهتمام بتدريس الفكر الفلسفي في جميع المراحل التعليمية، لأن التعليم السائد في البلاد العربية، و في باقي بلدان المسلمين لا يهتم  بالفكر الفلسفي، و خاصة بفلسفة العلوم في الوقت الذي  يولي اهتماما بالغا “للعلوم” الدينية و الشرعية و غيرها مما له علاقة بالغيب. فهذا درس التفسير، و الآخر درس الحديث، ثم درس الأصول، ثم درس الفقه، ثم درس العبادات، و هذا  تاريخ الأديان، و الآخر تاريخ التشريع، و الآخر أسباب نزول آيات القرآن الكريم، و الآخر تاريخ تدوين الحديث، ثم علوم القرآن و علوم الحديث. و باختصار في بعض يجمع كل ذلك و يخبز و يطهى في درس اسمه درس التربية الإسلامية. و الدرس  الوحيد الذي يغيب بامتياز، و لا يلقى العناية اللازمة هو الدرس الفلسفي، و الفكر الفلسفي.

فلماذا دعونا إلى الاهتمام بتدريس الفكر الفلسفي في جميع المراحل التعليمية ؟ و لماذا لا يدرس الفكر الفلسفي في كل تلك المراحل ؟

إن تدريس الفكر الفلسفي يأتي من خلال كل ما يشغل عقل الإنسان، مما يجعله يطرح السؤال حول الكون و ما يجري فيه، و ما هي التحولات التي تنتظره من خلال جمل و تعابير و أفكار في التعليم الابتدائي، و من خلال نصوص فلسفية مدروسة بدقة في مستويات التعليم الإعدادي، و من خلال النظريات الفلسفية في تطورها و تأثيرها على مسار الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية و دورها في انتقال المجتمعات البشرية من تشكيلة اقتصادية اجتماعية إلى تشكيلة اجتماعية أخرى. و لذلك نجد أن الطبقة المستفيدة من الاستغلال تحاول أن تعطل عمل العقل من خلال التقليل من أهمية الفلسفة و اعتبارها وسيلة للكفر و الإلحاد حتى يعتقد الناس أنها محرمة و تجب محاربتها. و لجعل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، محكوما بأدلجة الدين الإسلامي بدلا من أن يكون محكوما بأمور أخرى لها علاقة بالفكر و بالعقل و بالمنطق العلمي. و لذلك يصير من اللازم خوض معركة نضالية من قبل الجمعيات و النقابات التعليمية، و الأحزاب السياسية من اجل فرض تدريس الفلسفة في جميع المستويات التعليمية وفق برنامج محدد و مدقق يتناسب مع المستويات العمرية ومع الأهداف المتوخاة في كل مرحلة على حدة.

و نحن عندما نذهب إلى ضرورة ايلاء تدريس الفلسفة أهمية خاصة، فلأننا نرى أن الإنسان في البلاد العربية  وفي باقي بلدان المسلمين، فقد قدرته على إعمال العقل في جميع المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية التي أصبحت عاجزة بقوة الغيب، فيصير الاستغلال قدرا، و القهر قدرا، و المرض قدرا، و ضعف الخدمات التي تقدم للبشر قدرا. و لذلك فإعمال العقل شرط انعتاق الإنسان، و هو رهين بكل ما يؤدي إلى تجاوز حالة الجمود، و لعل للفلسفة الدور الرائد في هذا الاتجاه. و من هذا المنطلق اعتبرنا أن تدريس الفلسفة يعتبر معروفا يجب الإقبال عليه، و حرمان الأجيال الصاعدة من امتلاك القدرة على امتلاك المنطق العلمي الصحيح الذي لا يمكنها من  إعمال العقل في القضايا الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية التي تلتصق بحياتها الآنية و المستقبلية و الاستراتيجية.

فهل ترقى الأجيال الصاعدة بفرض تدريس الفلسفة في مختلف المستويات ؟

و هل يعمل المسؤولون على وضع برامج هادفة لتدريس الفلسفة في مختلف المستويات ؟

و هل تتوفر الإرادة اللازمة لانضاج شروط النهوض العقلي، و الفكري، و الفلسفي في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين ؟

19) إعادة النظر في مقولات ما يسمى بالفكر الإسلامي لتخليص تلك المقولات من ادلجة الدين الإسلامي لالحاق هذا الفكر بالفلسفة، ذلك أن مقولات الفكر الإسلامي لا علاقة لها بالفكر العقلاني المتحرك، إنها مجرد ترديد و ترجيع لمؤدلجي الدين الإسلامي في العصور الوسطى و من اقتدى بهم في العصور الحديثة. فما ذهب إليه مؤدلجوا الدين الإسلامي من تأويلات يتم ترديدها و ترجيعها من قبل مدعي الكلام باسم الدين إنما تؤدي إلى إدخال المجتمع في حالة من الظلام تجعل العقل مأسورا بتلك الادلجة لا يستطيع الحراك أبدا، و لا يستطيع التعامل مع الواقع، و لا إدراك حركته، و لا اتجاه تلك الحركة، و هل يمكن أن تؤدي إلى النقلة النوعية لحركة المجتمع، أم أنها مجرد انشداد إلى الوراء الذي يصير مثالا نسجن فيه إلى مالا نهاية، نعمل جاهدين على أن نبني الحاضر على مثال الماضي، لنخلق أزمة الواقع الذي يعاني من عرقلة حركته التي لا تكون إلا للمستقبل بسبب تفاعله مع معطيات التحول و التطور في جميع بقاع العالم، و التي لا يمكن أبدا أن نستثني  واقعنا إلا بإدخاله في أزمة التحول بعرقلته بالانشداد إلى الماضي عن طريق ما صار يعرف بالفكر الإسلامي الواقع في اسر ادلجة الدين الإسلامي.

و حتى نتيح الفرصة أمام انعتاق الفكر من اسر الادلجة يجب أن نعمل في اتجاه إعادة النظر في التسمية لفصل الفكر عن صفة “الإسلامي” لأن الفكر لا مله له و لا عقيدة، و لا مذهب لأنه هو مجرد عمليات ذهنية في مختلف مظاهر الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي. و الإسلام يعتبر جزءا من المظاهر الثقافية الكثيرة التي يمكن أن يشتغل عليها الفكر ليستنتج ما يجب استنتاجه. و لذلك فالإسلام هو موضوع الفكر الذي لا يتوقف عن الحركة، و لا ينتهي عند الوصول إلى نتائج معينة لأنه كلما توصل إلى نتائج محددة تصير تلك النتائج أيضا موضوعا للفكر تقود إلى نتائج اكثر تطورا وهكذا، و لكن عندما نسجن هذا الفكر في صفة “الإسلامي فإنه يفقد القدرة على الحركة لوقوعه في اسر الادلجة التي تبقى مجرد تعبير عن مصالح طبقية معينة لطبقة اجتماعية معينة تسعى إلى تحقيق تلك المصالح، أو تسعى إلى المحافظة عليها في حالة تحققها. و لذلك نجد أن دور الفكر ينحصر في كيف نحقق تلك المصالح الطبقية ؟ أو كيف نحافظ عليها، و هذا معناه سجن الفكر في مقولات ادلجة الدين الإسلامي، و تسمية ذلك الأسر ب”الفكر الإسلامي”.

و لتحرير الفكر من اسر الادلجة لابد من القيام بقراءة علمية للفكر في تطوره بصفة عامة، و لفكر المسلمين في تطوره بصفة خاصة. و بالتالي فنحن نجد أنفسنا مضطرين لتحليل و تفكيك طبيعة ما يسمى ب”الفكر الإسلامي” من اجل الوقوف على جوانب ادلجته، و بيان أن تلك الادلجة  لا تخدم إلا مصالح مبدعيها، و مدعي الكلام باسم الإسلام، و باسم الدين الإسلامي، ونسبة تلك الادلجة إلى أصحابها الحقيقيين، و سوق المبررات التي تقف وراءها، و هل هي مبررات مقبولة ؟ أم أنها مجرد مبررات لا علاقة لها بالادلجة أصلا، و العمل على جعل الفكر خارج التغطية الأيديولوجية حتى يصير حرا،   و حتى يكون وسيلة لتشبع الناس  بالحرية، و النضال من اجل تحققها . و حتى  يصير ديمقراطيا، و الفكر لا يكون إلا ديمقراطيا حتى يستطيع تدبير الاختلاف الفكري القائم على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و حتى يصير قادرا انعتاق المجتمع ككل، و على انعتاق الجماهير الشعبية الكادحة من اسر الادلجة و الاستغلال في نفس الوقت و العمل على تحقيق العدالة الاجتماعية التي بدونها لا يتحرر الفكر أبدا.

و الفكر عندما يتحرر من اسر ادلجة الدين الإسلامي بصيرورته حرا و ديمقراطيا و دافعا إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، يصير عاملا من عوامل طرح السؤال. لأن الفكر الذي لا يطرح السؤال يصير غير قادر على الحركة. فشرط الفكر طرح السؤال، و شرط الحركة في البحث عن الأجوبة المحتملة للسؤال المطروح من خلال الارتباط بالواقع في مختلف تجلياته، لا من اجل سجنه في قوالب جاهزة و محددة سلفا كما يحصل فيما صار يعرف ب”الفكر الإسلامي” بل من اجل إطلاق حركة الواقع نفسه التي تتحرر من كافة القيود التي فرضتها ادلجة الدين الإسلامي. و الفكر عندما يصير عاملا من عوامل إطلاق حركة الواقع يصيرا فكرا فلسفيا، لأن الفكر نفسه لا يكون إلا فلسفيا.

و بذلك يتخلص فكر المسلمين من ممارسة المنكر المتجسدة في ادلجة الدين الإسلامي، و في الاشتغال على هذه الادلجة، و يصير ممارسا للمعروف من بابه الواسع بصيرورته فكرا فلسفيا يعمل على تطور و تطوير الواقع في نفس الوقت.

فهل يعمل المفكرون المسلمون على تخليص فكر المسلمين من اسر ادلجة الدين الإسلامي لاعداده ليكون فكرا فلسفيا-إنسانيا، يساهم في انطلاق الإنسان في البلاد العربية، و في باقي بلدان المسلمين من اجل المساهمة الإيجابية، في البناء الإيجابي لجميع مناحي الحياة، و في جميع المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية و في إطار تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية، و بناء دولة الحق و القانون؟

20) تقديم مكافأة خاصة عن المردودية للعاملين في مجال التعليم، و المراد بالمردودية هنا هو طبيعة و مستوى إنتاج العاملين في هذا المجال من خلال الامتحانات الدورية و السنوية التي تنظم في مختلف المستويات، و في جميع التخصصات و التي تستهدف العمل العقلي بالدرجة الأولى، و نمو الفكر و تطوره في الاتجاه الصحيح بالدرجة الثانية. ذلك أن العاملين في مجال التعليم الآن، في البلاد العربية ، و في باقي بلدان المسلمين، يتميزون بشيوع ادلجة الدين الإسلامي في صفوفهم. و لذلك فهم في عملهم يشحنون تلاميذهم و تلميذاتهم  بمقولات تلك الادلجة التي تعطل العقل، و تمنع حركة الفكر الذي يبقى جامدا لا يتحرك مأسورا إلى النموذج الفكري المؤدلج للدين الإسلامي. و لذلك فأهمية العاملين في قطاع التعليم تأتي من كونهم يعملون في الاتجاه الصحيح لاعمال العقل، و تطوير الفكر، و في كونهم يعملون في الاتجاه المضاد، فهل يمكن أن يتحرر العاملون في التعليم من اسر الادلجة ؟ و هل يمكن أن يعملوا على تربية الأجيال على إعمال العقل الذي هو الوسيلة المثلى لنمو الفكر و تطوره في علاقته بالواقع في كل تجلياته الإيديولوجية و السياسية و المعرفية و العلمية، و في كل المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و لذلك نرى أن تقديم مكافأة المردودية يعتبر ضرورة تاريخية و مرحلية في نفس الوقت من اجل تمريس الأجيال الصاعدة على إعمال العقل حتى يصير بالنسبة إليها مسألة ضرورية مرتبطة بوجود الإنسان.

و الذي نشهده في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين أن الأنظمة القائمة هي أنظمة مؤدلجة للدين الإسلامي، و البرامج الدراسية التي تضعها أجهزتها القمعية و الإيديولوجية هي برامج قائمة على ادلجة الدين الاسلامي.و لذلك فنحن لا ننتظر منها أن تكافئ العاملات و العاملين في مجال التعليم على مردوديتهم في التربية على إعمال العقل، و نمو الفكر و تطوره لكون تلك التربية و ذلك التطور ينعكس إيجابا على عملية الإنتاج، و على تطوير و تطور الإنتاج نفسه. كما ينعكس على ارتفاع مستوى وعي الناس اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا و سياسيا. و يساهم في ربط الناس بالتنظيمات الحزبية و النقابية و الجمعوية و الحقوقية التي تعتبر اطارات للنضال من اجل الديمقراطية بصفة عامة و من اجل تحسين الأوضاع المادية و المعنوية و الحقوقية من جهة أخرى. و لذلك فالأنظمة الحاكمة في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين لا ترغب ابدا في التحرر من ادلجة الدين الإسلامي باعتبارها وسيلة تضليلية للكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة و انطلاقا من تمسك الأنظمة الحاكمة تلك بأدلجة الدين  الإسلامي، فإن على الأحزاب التقدمية و الديمقراطية و الجمعيات و النقابات و المنظمات الحقوقية أن تضع برنامجا للنضال من اجل تعليم شعبي متحرر من ادلجة الدين الإسلامي، و مساهم في التربية على إعمال العقل و تطور و تطوير الفكر ، و في إطار جبهة وطنية للنضال من اجل الديمقراطية بمفهومها الواسع و الشامل.

فهل تدرك الأحزاب التقدمية و الديمقراطية، و الجمعيات و النقابات، و المنظمات الحقوقية أهمية هذا البرنامج؟

و هل تسعى إلى تحقيقه على المدى المتوسط ؟

21) ربط التعليم بالتنمية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية ، نظرا لكون المسؤولين في البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين لا يعملون على ربط التعليم بالتنمية، فالتعليم إما نظري أو ديني. و بالتالي فلا علاقة له بالمجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية . و ما دام الأمر كذلك، فإن التنمية في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين ستكون معاقة، و لتجاوز وضعية الإعاقة السائدة في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين نرى من الضروري وجود برنامج تعليمي  يتماشى جدلا مع المخططات التنموية في البلاد العربية، و في باقي بلدان المسلمين حتى يساعد التعليم على إيجاد الأطر الكفأة في الصناعة و التجارة و الإدارة، و تسيير المقاولات و غيرها مما تحتاجه مختلف المؤسسات التنموية التي تلعب دورا كبيرا في تطور و تطوير الاقتصاد الوطني. و تؤسس  لمستقبل اكثر تطورا حتى تقف البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين أمام الدول المتقدمة منافسة لها في جميع المجالات.

و انطلاقا من هذه الرؤيا، فإننا نرى أن ربط التعليم بالتنمية في مختلف مستوياتها يعتبر من المعروف الذي يجب الأمر به. كما نرى أن عدم ربط التعليم بالتنمية يعتبر منكر يجب النهي عنه، و القائم به يعتبر عدوا للإنسانية لما لذلك من اثر سلبي على البشرية.

فهل تقوم الدول في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين بربط التعليم بالتنمية خدمة للبشر الذين يعيشون في هذه البلاد ؟ أم أنها ستستمر في تشجيع التعليم النظري الصرف، و في التعليم الديني الذي يأخذ وقتا كثيرا، و مصاريف اكثر ؟

22) جعل المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية وسيلة لامداد التعليم بالأفكار الجديدة حتى تقوم العلاقة الجدلية بين التعليم و الواقع، لأن التطبيق في مجالات الحياة يكشف القصور القائم فيما هو نظري. فيتحرك البحث لملء جوانب القصور لاكتشاف أفكار جديدة يجب أخذها بعين الاعتبار في التخصصات التعليمية المختلفة التي تعمل على تطويرها بالتجربة و البحث حتى تساهم في تطور الحياة  الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية لتنكشف من جديد جوانب القصور فيما هو نظري فيجري البحث لتكتشف افكار جديدة … و هكذا.

و بهذا التعاطي  بين التعليم و بين الواقع  الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي يمكن أن يكون التعليم في خدمة الواقع. و الواقع في خدمة التعليم حتى يقوم الانسجام بين النظرية و الممارسة.

و على خلاف هذا التصور نجد أن مؤدلجي الدين الإسلامي يعملون على أن يجعلوا العلاقة مع الواقع هي علاقة أحادية الجانب. و بالتالي فهم  يقررون ما يدرس مما يطبق في الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي. و ما يطبق في الواقع يجب أن يخضع له الواقع، و إذا تعارض معه، فالأولوية لما يطبق لأنه يدخل في إطار ” تطبيق الشريعة الإسلامية” و ما كان من “الشريعة الإسلامية ” لا تجوز مناقشته التي لا تكون إلا “كفرا” و “إلحادا”.

كما أن البورجوازية التابعة التي تستورد البرامج التعليمية من الدول الرأسمالية و تصوغها وفق املاءات صندوق النقد الدولي، و البنك الدولي و المؤسسات المالية الدولية و الشركات العابرة للقارات إلى جانب البرامج المؤدلجة للدين الإسلامي. فإنها تسعى إلى فرض تطبيق ما يتم تدريسه على الواقع لارضاء الأنظمة الرأسمالية الدولية و الشركات العابرة للقارات من جهة، و لإيهام الجماهير الشعبية الكادحة أن البورجوازية التابعة تحافظ على الشريعة الإسلامية و تسعى إلى تطبيقها ما أمكن. و إذا تعارض ذلك مع الواقع، فإن الواقع يجب أن يخضع لما تريده البورجوازية التابعة حتى لا تسيء لأسيادها في النظام الرأسمالي المهيمن و المسيطر على الأنظمة التابعة.

و عندما يتعلق الأمر بالبورجوازية الليبرالية فإنها تسعى إلى أن يكون الواقع أيضا ليبراليا و البرامج الدراسية ليبرالية، و العلاقة بين البرامج التعليمية و الواقع أيضا ليبرالية. و الفرق كبير بين أن تكون العلاقة ليبرالية و العلاقة جدلية. ففي العلاقة الليبرالية نجد أن كل توجه حر فيها يطبق على ارض الواقع. و الدولة الليبرالية  لا تلجأ إلى قمع أحد في  أن يطبق ما يشاء. إلا انه يجب أن نقف على السؤال : هل توجد بورجوازية ليبرالية حتى تطبق توجهها الليبرالي إن وصلت إلى السلطة ؟ إن التحولات التي عرفها العالم، و خاصة في ظل عولمة اقتصاد السوق تقضي باختفاء البورجوازية الليبرالية كفكر و كممارسة على ارض الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي. و هذا الاختفاء يوضح إلى أي حد انخرطت هذه البورجوازية في برنامج البورجوازية التابعة التي تعمل باستمرار على فرض الاملاءات في الواقع. و لا داعي لأن نقول بأن البورجوازية الليبرالية لازالت قائمة، و يمكن أن تتيح فرصة اختيار تطبيق نظرية معينة على ارض الواقع، ليبقى المنكر هو السائد على مستوى البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين، أما المعروف فلا وجود له.

و بالنسبة للبورجوازية الصغرى نجد أنها تتأرجح بين تطبيق “الشريعة الإسلامية” و بين املاءات البورجوازية التابعة، و بين الجنوح إلى ليبرالية التطبيق، و التعاطي الجدلي مع الواقع، نظرا لتوفيقيتها، و تلفيقيتها، و قلما تحسم لصالح التعاطي الجدلي مع الواقع الاقتصادي  و الاجتماعي و الثقافي و السياسي، و غالبا ما تحسم لصالح املاءات البورجوازية التابعة التي تعمل على صياغة الواقع وفق ما تقتضيه مصلحتها و مصلحة المؤسسات المالية الدولية، نظرا لأن البورجوازية الصغرى تسعى باستمرار إلى تحقيق تطلعاتها البورجوازية، و التي تجعلها تقبل بممارسة المنكر المتمثل في تلك الاملاءات نفسها ذات المصادر الخارجية المتعددة.

و الطبقة الوحيدة التي تحافظ على التعاطي الجدلي مع الواقع هي الطبقة العاملة في حالة وصولها إلى الحكم، لأنها تسعى باستمرار إلى تحقيق مصلحة جميع الكادحين الذين لا تستثني نفسها منهم، و لكون مصلحتها  هي مصلحة المجتمع ككل. و لذلك فتعاطيها الجدلي مع الواقع يكون بخلفية الحرص على تطوير الواقع نفسه لصالح الإنسان في البلاد العربية، و في باقي بلدان المسلمين. و لذلك فهي الطبقة الوحيدة التي تحرص على تحقيق المعروف كما تراه هي، و كما يقتضيه الواقع نفسه. و لأن الطبقة العاملة كذات، و كوعي كذلك، فإن الطبقات الحاكمة في البلاد العربية، و في باقي بلدان المسلمين تمارس عليها كافة أشكال القمع الاقتصادي  و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي و الإيديولوجي و التنظيمي حتى لا تقوم لها قائمة، و حتى لا تمتلك وعيها الطبقي الذي يقودها إلى تنظيم نفسها في النقابات و في الجمعيات و في المنظمات الحقوقية و في أحزاب الطبقة العاملة التي تؤطر نضالاتها المطلبية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية، بالإضافة إلى نضالاتها السياسية التي تجعلها تنخرط في النضال الديمقراطي من بابه الواسع حتى تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية في سائر البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين، لتكون بذلك محاربة فعلا للمنكر، و ساعية إلى تحقيق المعروف.

و بهذا التحليل يتبين من هي الجهة التي تسعى إلى جعل الاقتصاد و الاجتماع و الثقافة و السياسة وسيلة لتطوير التعليم. و تجعل التعليم في خدمة الاقتصاد و الاجتماع و الثقافة و السياسة على أساس العلاقة القائمة بين النظرية و الممارسة. و من هي التي تجعل الواقع قائما على أساس ما تقتضيه ادلجة الدين الإسلامي، أو ما تقتضيه الاملاءات الخارجية في البلاد العربية و في سائر بلدان المسلمين.

23) تعميم دور الشباب، و المركبات الرياضية و الترفيهية على جميع المناطق في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين نظرا للدور الذي تلعبه هذه المؤسسات في جعل الشباب ينفتح على الآفاق المختلفة، و يعمل على تفجير الطاقات التي يتوفر عليها.

و هذه المؤسسات الضرورية للشباب و اليافعين و الأطفال و لمختلف الجمعيات الثقافية و التربوية و الترفيهية و المنظمات الحقوقية التي تتخذ من تلك المؤسسات منطلقا لعملها الإشعاعي و الثقافي و التربوي و الترفيهي و الحقوقي يختلف النظر إليها من تيار سياسي إلى تيار سياسي آخر.

فمؤدلجو الدين الإسلامي يرون أنها منطلق الارتباط بالأطفال و الشباب و اليافعين من اجل تنظيمهم في جمعيات مؤدلجة للدين الإسلامي تعمل باستمرار على نشر الادلجة فيما بينهم، و تربيتهم على طاعة أوامر مؤدلجي الدين الإسلامي، و القبول بالتجييش وراءهم قصد العمل على تكريس الاستبداد بالمجتمع، أو العمل على الوصول إلى فرض استبداد بديل للاستبداد القائم. و معلوم أن ممارسة كهذه لا تتناسب مطلقا مع وظائف المؤسسات الخاصة بالشباب باعتبارها فضاءات لممارسة الحريات المختلفة. لأنها تتناقض مع الغاية من وجودها على ارض الواقع. و لذلك فهي ممارسة للمنكر، الذي تجب محاربته للقيام بالمعروف المتمثل في تمتيع الشباب بحقهم في الحرية التي تمكنهم من ممارسة الاختيار الحر و النزيه للأنشطة التي يميلون للقيام بها داخل الفضاءات المخصصة لهم و تحت إشراف الهيئات المختصة في مختلف الأنشطة.

و بالنسبة للبورجوازية التابعة، فإن الغاية من تلك الفضاءات تكمن في إعداد الشباب لتقبل الاملاءات التي تفرض من قبل صندوق النقد الدولي، و البنك الدولي و من الشركات العابرة للقارات. بالإضافة إلى دعم الجمعيات المؤدلجة للدين الإسلامي من اجل إشاعة تلك الادلجة بين الشباب حتى ينشغلوا عن الانسياق وراء الاملاءات الوافدة.

و عندما يتعلق الأمر بالبورجوازية الليبرالية، فإن المفروض أن تصير تلك الفضاءات الخاصة بالشباب مجالا للتمتع بالحرية ذات الطابع الليبرالي التي تمكن الشباب من تفجير طاقاته الخلاقة و هواياته المختلفة، و تعمل على تكوين جمعيات لهذه الغاية تعمل على تأطير أنشطة الشباب المختلفة. إلا أن هذا التوجه لم يعد واردا في ممارسة البورجوازية  الليبرالية نظرا لتواري الدور التاريخي الذي تلعبه، و نظرا لذوبان هذه البورجوازية في أوساط البورجوازية التابعة بعد أن صارت تقبل بتطبيق الاملاءات الوافدة، و بأدلجة الدين الإسلامي كوسيلة لتضليل الشباب حتى لا يمتنع  عن تطبيق تلك الاملاءات.

و معلوم أن الانسياق وراء الاملاءات الوافدة التي يقف وراءها صندوق الدولي، و البنك الدولي، و الشركات العابرة للقارات، و الدول الرأسمالية الكبرى. يعتبر منكرا عظيما تمارسه البورجوازية التابعة ذات الأصول الإقطاعية كما صارت تمارسه البورجوازية الليبرالية و التي ذابت في ممارسة البورجوازية التابعة. و هذا المنكر العظيم تجب محاربته حتى تقوى الفضاءات الخاصة بالشباب على تمكين الشباب من القيام بما يساعده على تفجير طاقاته الخلاقة، و تربية ملكاته المختلفة، و تنمية قدراته.

و فيما يخص البورجوازية الصغرى، فإننا نجد أن فضاءات الشباب بالنسبة إليها مناسبة للارتباط بالشباب، و إنشاء جمعيات لهذا الغرض. إلا أن البورجوازية الصغرى، و نظرا لطبيعتها التوفيقية و التلفيقية. فإن أهدافها من الارتباط بفضاءات الشباب، تتأرجح بين السعي إلى جعل الشباب يمارس حرياته المختلفة و بين إشاعة ادلجة الدين الإسلامي في صفوف الشباب، و بين إعداد الشباب لتقبل الاملاءات الوافدة من الخارج، و هي أهداف تسعى كلها إلى تحقيق تطلعات البورجوازية الصغرى الطبقية مما يجعلها تنخرط في ممارسة المنكر العظيم بشكل أو بآخر، و هو ما تجب محاربته لتمكين الشباب من استنشاق الحرية في فضاءات الشباب باعتبار تلك الحرية معروفا يجب العمل به.

و الطبقة الوحيدة التي تنسجم أهدافها مع طموحات الشباب في فضاءات الشباب هي الطبقة العاملة التي تسعى إلى جعل الشباب يتهيأ للقيام بدور رائد في النضال من اجل الديمقراطية وفي أفق العمل على تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية، بعيدا عن ادلجة الدين الإسلامي، و عن الانسياق وراء الاملاءات الوافدة من الخارج. لتكون الطبقة العاملة بذلك هي الطبقة التي تقوم بمحاربة المنكر، و ممارسة المعروف، لأن قدرتها في النضال من اجل أن يتمتع الجميع  بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية.

و بذلك يتبين لنا ان تعميم دور الشباب و المركبات الرياضية و الترفيهية شرط لتقدم المجتمعات في البلاد العربية وفي باقي بدان المسلمين، كما يتبين لنا من هي الجهة التي تحرض على التوظيف السلبي لهذه الفضاءات ؟ و من هي الجهة التي تقف وراء التوظيف الإيجابي لجعل المساهمة الفعالة للشباب حاضرة في الميدان، و في جميع المجالات و على جميع المستويات.

فهل يستحضر الجميع ضرورة التوظيف الإيجابي لهذه الفضاءات ؟

24) تشجيع المواهب و الكفاءات التي تبرز في مختلف المذاهب الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية و الأدبية و الفنية و الرياضية حتى تكون النخبة قائمة على أسس سليمة و طبيعية، و كنتيجة للتطور الذي يعرفه المجتمع في جميع المجالات، و تلبية لحاجة المجتمع الماسة إلى وجود نخبة غير مصطنعة و غير مفبركة، و ليست نتيجة للتزوير الذي يعرفه المجتمع في كل المجالات.

         إلا أن العديد من الجهات ترى في تشجيع المواهب ما يناسب كل توجه منها على حدة.

فمؤدلجوا الدين الإسلامي يرون أن تشجيع المواهب و الكفاءات يجب أن يقوم على أساس ادلجة الدين من منطلق أن كل موهبة هي من عند الله، و أن أية موهبة لا تتفتق إلا بإرادة الله، و لا يد للشروط الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية في ذلك، و لا داعي لأن يقول أحد بأن إمكانياته الذاتية هي التي جعلته يحقق تلك الموهبة. فكأن مؤدلجي الدين الإسلامي يختصرون كل شيء في قوة الغيب التي هي قوة الله تعالى. و من هذا المنطلق فعلى أصحاب المواهب أن يطيعوا الله و أن يسخروا مواهبهم و كفاءاتهم لخدمة الدين الإسلامي التي تتمثل في امتلاك القدرة على تأويل النصوص الدينية وفق ما تقتضيه ادلجة الدين الإسلامي، و بالتالي فعلى المواهب و الكفاءات المختلفة و المؤثرة في الجماهير الشعبية الكادحة أن يتحول أصحابها إلى مؤدلجين للدين الإسلامي حتى يتخلوا عن مواهبهم الأصلية التي كان ينتظر منها أن تفيد البشرية كثيرا. و لذلك، فما يقوم به مؤدلجو الدين الإسلامي تجاه المواهب و الكفاءات يعتبر كذلك منكرا عظيما يرتكبونه في حق البشرية، و هو ما على الشعوب في البلاد العربية و في باقي بلاد المسلمين أن تحاربه من اجل المحافظة على سلامة مواهب أبنائها من احتواء مؤدلجي الدين الإسلامي.

و بالنسبة للبورجوازية التابعة فإنها ترى أن المواهب و الكفاءات يجب أن توجه للارتباط بالمؤسسات المالية الدولية و بالشركات العابرة للقارات من خلال الارتباط بالنخب الغربية التي تقود تلك المواهب و الكفاءات إلى خدمة المصالح الرأسمالية عبر خدمة مصالح البورجوازية التابعة. و هذا ما يمكن أن نفسر به : لماذا نجد أن تلك الكفاءات تشد الرحال في اتجاه الغرب بسبب الاغراءات و الامتيازات التي تقام لها و من خلال الامتيازات التي تقدم للبورجوازية التابعة و التي ترى في الارتباط بالغرب عبر الارتباط بالمؤسسات المالية الدولية و عبر الارتباط بالشركات العابرة للقارات حلا لجميع المشاكل التي تعاني منها البلاد العربية، و باقي بلدان المسلمين، و هي في واقع الأمر لا تجد فيها إلا حلا لازمتها هي التي تعممها على جميع أفراد المجتمع. و لذلك فهي تدفع بالمواهب و الكفاءات المحلية إلى خدمة مصالح الغرب أو إلى الهجرة إليه حتى تحرم البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين من مواهب و كفاءات أبنائها، سعيا إلى الاستمرار في التخلف الذي يستديم التبعية للحزب. و بالإضافة إلى ذلك فالبورجوازية التابعة تشجع المواهب و الكفاءات على ادلجة الدين الإسلامي بما يخدم مصالح البورجوازية التابعة و مصالح الغرب في نفس الوقت. و في الحالتين معا، فالبورجوازية التابعة ترتكب منكرا عظيما يرهن البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين في التبعية للغرب، و يجعل العرب و المسلمين يعانون من تضليل ادلجة الدين الإسلامي الذي يغرقهم في التخلف. بالإضافة إلى وقوف البورجوازية التابعة وراء هجرة العقول إلى الدول الرأسمالية الغربية. و هذه الأشكال الثلاثة من المنكر تجب محاربتها وفق خطة مدروسة و محددة الخطوات حتى يتم وضع حد للتبعية للغرب و لأدلجة الدين الإسلامي، و لهجرة  العقول بتحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية.

و عندما يتعلق الأمر بالبورجوازية الليبرالية فإن المفروض فيها أن تعمل على حماية تفتق المواهب و اكتمال الكفاءات، و حرصها على أن تكون تلك المواهب و الكفاءات في خدمة ليبرالية المجتمع، و تنمية قدراته الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و البورجوازية الليبرالية تكون طبيعية و منسجمة مع نفسها عندما تسعى إلى ذلك، غير أن هذه البورجوازية التي لم تعد مصلحتها مع الليبرالية، التحقت بالبورجوازية التابعة ، و تبنت نفس السياسة تجاه المواهب و الكفاءات التي يجب أن تكون في خدمة المؤسسات المالية الدولية، و الشركات العابرة للقارات، و لا بأس أن تشجع المواهب و الكفاءات على الهجرة إلى الدول الرأسمالية، و لا بأس في نظر البورجوازية المتخلية عن ليبراليتها، أن تشتغل المواهب و الكفاءات على ادلجة الدين الإسلامي خدمة للبورجوازية التابعة، و للمصالح المرتبطة بالمؤسسات المالية الدولية، و بذلك تساهم البورجوازية الليبرالية في ممارسة المنكر من حيث لا تدري و هو ما تجب محاربته و بلا هوادة.

أما البورجوازية الصغرى، فبسبب طبيعتها التوفيقية و التلفيقية ، فإنها تارة ترى ضرورة توجيه تلك المواهب لادلجة الدين الإسلامي لممارسة التضليل الإيديولوجي على الجماهير الشعبية الكادحة و أخرى تسعى إلى جعلها تكون في خدمة المصالح الرأسمالية العالمية، و الدفع بها في اتجاه الهجرة الى البلدان الرأسمالية العالمية،  واخرى تسعى إلى جعلها  تمتلك حريتها  كاملة في اختيار ما تريد في حياتها اعتمادا على ما تتوفر عليه من مواهب وكفاءات. و قد ترى البورجوازية إعداد المواهب و الكفاءات لامتلاك النظرية الاشتراكية العلمية من اجل توظيفها لاستقطاب الكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة إلى جانبها من اجل الاستقواء في اتجاه تحقيق تطلعات البورجوازية الصغرى للطبقية. و لذلك نرى ضرورة التصدي العلمي لممارسة البورجوازية الصغرى تجاه المواهب و الكفاءات حتى يكون الجميع على بينة منها، و اعتبارها منكرا تجب محاربته حتى تتطور المواهب و الكفاءات و تأخذ طريقها في الاتجاه السليم بطريقة طبيعية.

و الطبقة الوحيدة التي تسعى إلى احترام نمو المواهب نموا سليما حتى يستفيد المجتمع و تستفيد البشرية من عطاءاتها هي الطبقة العاملة التي تعمل على إنضاج الشروط الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية التي تساعد على النمو الطبيعي للمواهب و الكفاءات المختلفة و المتنوعة حتى تصير منارات فكرية و أدبية و فنية و علمية و تكنولوجية متطورة ثم صناعية و تجارية تجعل الإنسان في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين، يرقى إلى مستوى ما عليه البشر في الدول المتقدمة حتى لا نقول الرأسمالية التي اغتنت و تطورت على إلحاق الأذى بالشعوب المستعمرة، ثم المستغلة بخدمة الدين الخارجي و بالشركات العابرة للقارات، إلى جانب استغلالها البورجوازي الإقطاعي المحلي إضافة إلى إثقال كاهلها بالضرائب المباشرة و غير المباشرة في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين. لأن رقي الإنسان لا يكون إلا بوضع حد للاستغلال أنى كان مصدره عن طريق تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية على يد الطبقة العاملة و حلفائها، عندما يمتلكون وعيهم الطبقي الحقيقي و ينخرطون في المنظمات الجماهيرية المناضلة و في أحزاب الطبقة العاملة التي تقود نضالات الكادحين.

و بذلك يكون أصحاب المواهب و الكفاءات قد تبينوا من هي الجهة التي تناضل من اجل إنضاج شروط النمو الطبيعي للمواهب و الكفاءات و دون توجيه من أحد، و من هي الجهة التي تسعى إلى كبح ذلك النمو الذي قد يتحول إلى ادلجة للدين الإسلامي، أو إلى خدمة الدين الخارجي، أو إلى مطية لتحقيق تطلعات البورجوازية الصغرى الطبقية.

فهل يعمل المسؤولون في البلاد العربية و في باقي البلدان الإسلامية على إنضاج شروط النمو الطبيعي الموضوعية للمواهب و الكفاءات خدمة للشعوب، و احتراما للتاريخ، و سعيا إلى التقدم ؟

25) تنقيح الكتب “الدينية” المسموح بترويجها من كل ما يتناقض مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان لأن الكتب “الدينية” التي يتم ترويجها في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين هي كتب مؤدلجة للدين الإسلامي، أعدها المؤدلجون لارضاء الحكام في مختلف المراحل التاريخية أو أعدوها لخدمة مصالح تيار “ديني” معين، أو لصالح مذهب “ديني” معين، أو لصالح حزب سياسي كان أو لازال يسعى إلى الوصول إلى امتلاك ناصية السلطة السياسية. و لذلك فكل ما تتضمنه الكتب المروجة بين الناس في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين. قد يكون مختلفا مع الغاية التي جاء من اجلها الدين الإسلامي الذي ترك الباب مفتوحا أمام التأقلم مع المستجدات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، حتى يكون قابلا للملاءمة مع  المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان. فجاءت ادلجة الدين الإسلامي لتغلق ذلك الباب ويصير الدين الإسلامي   جامدا لا يتغير و لا يتطور و لا يتلاءم مع المستجدات. بل ان مؤدلجي الدين الإسلامي يسعون إلى صياغة الواقع وفق ما تقتضيه ادلجتهم .و مرجعيتهم في ذلك، هذه الكتب المتداولة بين العرب و المسلمين. و لذلك كانت المراجعة ضرورية حتى يتم تنقيح الكتب الدينية من تلك الادلجة. لكن يبقى السؤال : من يراجع هذه الكتب الدينية ؟

إننا في حاجة إلى هيأة علمية مسؤولة عن تلك المراجعة تتكون من العلماء و الفقهاء و رجال القانون و من ممثلي الهيئات النسائية، و النقابات و الجمعيات الثقافية و التربوية، و على مستوى كل بلد عربي أو إسلامي على حدة. و انطلاقا من مقاييس محددة تقوم تلك الهيئات بالقراءة العلمية لتلك الكتب و مراجعة كل الأفكار و الفقرات التي تنص على خرق معين لحق من حقوق الإنسان الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و إعادة صياغة تلك الأفكار حتى تتلاءم مع المواثيق الدولية  المتعلقة بحقوق الإنسان، و حتى تصير وسيلة من الوسائل التي تساعد على إشاعة حقوق الإنسان في البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين.

و نحن عندما نذهب إلى ضرورة مراجعة الكتب “الدينية” و تخليصها من كل ما يتناقض مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان فلأننا ندرك خطورة ما تتضمنه تلك الكتب على مصير الإنسان في البلاد العربية، و في باقي بلدان المسلمين. بمختلف الحقوق حتى يشعر بإنسانيته، و على الشعوب أن تناضل في هذا الاتجاه حتى تفرض تداول الكتب التي تحترم حقوق الإنسان ، انطلاقا من دستور ديمقراطي، و سعيا إلى إيجاد قوانين متلائمة مع المواثيق الدولية بواسطة مؤسسات منتخبة انتخابا حرا و نزيها و في ظل دولة الحق و القانون، و الشعوب بذلك تقوم بالأمر بالمعروف الذي هو تطهير الكتب الدينية من كل ما يتناقض مع حقوق الإنسان  ، و النهي عن المنكر  الذي يتمثل في الإبقاء على رواج تلك الكتب، و بتلك الصيغة إبقاء للبلاد العربية و لباقي بلدان المسلمين على التخلف الذي تنغمس فيه إلى مالا نهاية.

26) إخضاع كل الكتب الموضوعة في الخزانات العامة لاعادة النظر، أو منع تروجها بما في ذلك اعتمادها مصادر و مراجع لمختلف البحوث المنجزة مادامت تتضمن ما يتناقض مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان. لأن الكتب المؤدلجة للدين الإسلامي و المتضمنة لخروقات حقوق الإنسان إذا لم تتم إعادة النظر فيها، فإنها تكون من بين ما يوحي بأن خرق حقوق الإنسان جزء لا يتجزء من الدين الإسلامي الذي يقول عنه مؤدلجو الدين الإسلامي الذين سميناهم بالمتنبئين الجدد انه صالح لكل زمان و مكان، فكيف يصلح لزمننا هذا إذا لم يتلاءم مع المواثيق الدولية ؟ إننا إذا أردنا أن نجعل الإسلام صالحا لكل زمان و مكان علينا أن نقوم بمراجعة الكتب الموضوعة في الخزانات العامة في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين بواسطة هيأة مختصة و محددة المكونات كما أشرنا إلى ذلك في الفقرة السابقة، و وفق مقاييس مدققة و محددة، لإزالة كل الخروقات القائمة و المبثوثة في بطون كتب الخزانات العامة الدينية، حتى تصير صالحة للاطلاع. و إلا فإن هذه الكتب تبقى ممنوعة من الاستعمال كمراجع أو كمصادر حتى لا تصير مصدرا لادلجة الدين الإسلامي. و لذلك فاستعمالها يعتبر منكرا، و توقيف الرجوع إليها يعتبر معروفا يعم البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين.

و الدولة القائمة بأجهزتها تعتبر مسؤولة عن المراجعة الشاملة لكتب الخزانات العامة التي تقع تحت دائرة سلطاتها. و منع استعمالها موكول إليها باعتبارها أيضا مسؤولة عن حماية أمن المواطنين في كل بلد من البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين.

و قد يقول قائل : ألا يعتبر مما ندعو إليه مما نراه من واجبات الدولة، يدخل في إطار مصادرة الفكر، ومصادرة حرية الرأي، و حرية البحث و غير ذلك، فنرد عليه، بأن ادلجة الدين الإسلامي المبثوثة في الكتب “الدينية” بالخصوص هي التي تصادر الفكر و قمع حرية الرأي و التعبير، و حرية البحث و ما شاكل ذلك. و ما دامت هذه الادلجة هي مصدر هذه الممارسات المتنافية مع حقوق الإنسان كما هي في المواثيق الدولية، فإن تطهير الكتب “الدينية” من تلك الادلجة يعتبر ضرورة تاريخية لإتاحة الفرصة أمام استئصال الاستبداد و التخلف الفكري و غير ذلك من أشكال القمع المادي و المعنوي لتحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية.

فهل تقوم الدولة في كل بلد عربي، و في باقي بلدان المسلمين بوضع تخطيط محكم لمراجعة محتويات الخزانات العامة من الكتب و الوثائق و الصحف و المجلات لنفي كل ما يتنافى مع حقوق الإنسان حتى تتلاءم تلك الكتب مع المواثيق الدولية ؟

27) اعتبار ملاءمة البحوث العلمية مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان شرطا لقبول مناقشتها حتى لا تتحول تلك البحوث إلى مناسبة لتعميق ادلجة الدين الإسلامي، و إشاعة تلك الادلجة و شرعنتها على مستوى الجامعات و المعاهد العليا. لأن هذا السيل الكبير الذي لا حدود له فيما يخص البحوث المؤدلجة للدين الإسلامي ساهم إلى حد كبير في اعتبار تلك الادلجة هي العقيدة، و هي الشريعة في نفس الوقت. و نحن عندما نقوم بمقارنة شاملة، بين ما ورد في تلك البحوث، و ما ورد في النصوص الدينية الأصيلة، أو في الكتب الأمينة على حفظ مدلول النص الديني بعيدا عن الادلجة، فإننا نجد أن تلك البحوث تفوح منها رائحة المصالح الطبقية لمؤدلجي الدين الإسلامي في مختلف العصور.

و في أفق تحقق إجراء بحوث متلائمة مع المواثيق الدولية نرى ضرورة العمل على عقد ندوات و أيام دراسية في الجامعات و المعاهد و المدارس حول ملاءمة البحوث مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، و ماذا يجب عمله لجعل البحوث متلائمة مع المواثيق الدولية ؟ و ما هي المقاييس العامة و الاجرائية التي يجب أن تحكم كل بحث على حدة حتى يعتبر متلائما مع المواثيق الدولية ؟  و  حتى يتجاوز الناس في البلاد العربية، و في باقي بلدان المسلمين الاستمرار في إشاعة ثقافة خرق حقوق الإنسان التي يسمونها “الثقافة العربية الإسلامية”.

و في نفس الاتجاه نرى ضرورة إخضاع البحوث التي يجريها أصحابها لنفس المقاييس حتى تتم الموافقة على نشرها، لقطع الطريق أمام الاستمرار في ادلجة الدين الإسلامي و على نطاق واسع  باسم “البحوث الإسلامية” التي تتلقى دعما محدودا من قبل مؤدلجي الدين الإسلامي و من قبل المستفيدين من تلك الادلجة.

و ما قلناه في البحوث الجامعية، و البحوث التي يجريها أصحابها، نقوله في كل ما ينشر عبر الصحف و الإذاعة و التلفزيون و غيرها من وسائل الإعلام المكتوبة و المسموعة و المرئية، و الذي يجب أن يخضع لنفس المقاييس حتى لا يتحول ما ينتشر إلى وسيلة لإشاعة خرق حقوق الإنسان باعتبار إشاعة الخرق منكرا تجب محاربته، و باعتبار الحرص على سلامة البحوث و المنشورات من إشاعة الخرق معروفا يجب العمل به.

و نحن نعتبر الخرق متمثلا في كل ما تناقض مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية و كل ما تناقض مع ميثاق إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة و بميثاق حقوق الطفل، و بجميع المواثيق الصادرة عن منظمة العمل الدولية المتعلقة بحقوق العمال، و كل القوانين المحلية المتعلقة بحقوق الإنسان.

فهل يعمل المسؤولون في البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين على ملاءمة البحوث و جميع المنشورات مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان ؟

و هل يلزمون الهيئات المختصة على الالتزام بالمقاييس التي يجب اتباعها في التعامل مع البحوث و المنشورات مساهمة منهم في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ؟

28) اعتبار الجامعات منارات تنويرية تمد المجتمع بالمعارف التي تساهم في إحداث تطور اقتصادي و اجتماعي و ثقافي و سياسي، لأن الجامعات إذا لم تكن تنويرية، فإنها تكون شيئا آخر انطلاقا من الأستاذ، و مرورا بأنشطة الطلبة المختلفة على مدى سنوات، و انتهاء بالبحوث الجامعية. و لذلك فنحن عندما ندعو إلى اعتبار الجامعات منارات تنويرية، فلأن الجامعات تقوم بدور تأطيري للمجتمع ككل، و في جميع القطاعات  الاجتماعية في كل بلد من البلدان العربية و باقي بلدان المسلمين. فمنها تتخرج الأطر العليا و المتوسطة، التي تؤطر مختلف القطاعات الاجتماعية، فإذا كانت تبث التنوير، فلأنها تعد الأطر التنويرية في مرحلة التعليم الجامعي الذي يجري بعيدا عن كل أشكال ادلجة الدين الإسلامي التي تنخر كيان المجتمع في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين، فجميع الأطر الاقتصادية و الاجتماعية و العلمية و التقنية و الأدبية و الفنية من خريجي جامعات البلدان العربية و باقي بلدان المسلمين، و نظرا لكون هذه الجامعات في معظمها مؤدلجة للدين الإسلامي، سواء كانت “دينية” أو علمية، أو أدبية أو قانونية. فإن خريجيها لا يكونون إلا مؤدلجين للدين الإسلامي، و تأطيرهم للمجتمع لا يكون إلا من منطلق إشاعة ادلجة الدين الإسلامي بين أفراد المجتمع، و في جميع القطاعات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و لذلك نرى ضرورة إعادة النظر في البرامج الجامعية، و فيما كان يعرف بالإصلاحات الجامعية، و إخضاع الأساتذة الجامعيين للمساءلة إذا صدر منهم ما يوحي بأدلجة الدين الإسلامي، و تجريم ممارسة الاستبداد بالحرم الجامعي حتى يبقى الفضاء الجامعي حرا، و حتى تكون تلك الحرية هي المناخ الذي يتنفسه الأساتذة و الطلبة طيلة تواجدهم في الجامعة حتى تكون أفواج المتخرجين في مستوى التصدي لكل أشكال التخلف القائمة في المجتمع و التي تقف من ورائها ادلجة الدين الإسلامي. فدور الجامعة هو دور رائد، دور تنويري و يجب أن يبقى تنويريا حتى يصير التنوير منارة للعقل في البلاد العربية وفي باقي بلدان المسلمين، و حتى يمسك الإنسان العربي، و المسلم عن اللهث وراء استهلاك كتب ادلجة الدين الإسلامي التي بدونها لا نستطيع أن نصير مؤدلجين للدين الإسلامي. فالكتب المتنورة التي ينتجها المتنورون يجب أن تحل محل الكتب المؤدلجة للدين الإسلامي حتى تقف وراء إنشاء أجيال المتنورين الذين تصير رؤيتهم واضحة،، و يصير أملهم في الحياة ملازما لوجودهم، و يصير سعيهم إلى إحداث تطور اقتصادي و اجتماعي و ثقافي و مدني و سياسي هو الغاية المستدامة حتى يصير التنوير معروفا و ظلام ادلجة الدين الإسلامي منكرا.

فهل تقوى الجامعات في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين على لعب ذلك الدور التنويري ؟

إننا ننتظر ما تأتي به التفاعلات التي تعرفها التشكيلة الاقتصادية – الاجتماعية في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين في ظل عولمة اقتصاد السوق. تلك التفاعلات التي لابد أن تطرح القديم الذي لم يعد صالحا للوجود، و لابد أن تحمل الجديد الذي يصارع من اجل الوجود.

29) و تبعا لاعتبار الجامعات منارات تنويرية  في البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين، نرى ضرورة إغلاق الشعب و الكليات و الجامعات التي لا تنتج إلا ادلجة الدين الإسلامي، لأن من تخرج من تلك الشعب و الكليات و الجامعات هم الذين يقودون الآن الحركات و التيارات المؤدلجة للدين الإسلامي و على مستوى البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين و في جميع أنحاء العالم، لأن الأصل في هذه الشعب والكليات و الجامعات هو إعطاء تصور للنص الديني يتناسب مع مصالح الطبقات الحاكمة في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين، و في جميع أنحاء العالم. حتى يضمنوا تأبيد سيطرتهم، و استمرار حكمهم بسبب التضليل الذي تمارسه أطر تلك الكليات و الجامعات على الدارسين و على المواطنين في نفس الوقت.

و إذا كانت هذه الشعب و الكليات و الجامعات مؤدلجة للدين الإسلامي، و كان مؤدلجو الدين الإسلامي يمارسون التضليل على الجماهير الشعبية الكادحة، و كانت التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي تقوم بكل هذه الكوارث التي أصابت البشرية في جميع أنحاء العالم. فإن المنطق يسير في اتجاه الحد من تلك الادلجة بل و القضاء عليها. و إذا كان الأمر كذلك ، فإن الحد من ادلجة الدين الإسلامي بدون القضاء على البنيات التحتية المنتجة لتلك الادلجة، يعتبر غير مجد، و غير أساسي بالنسبة للمتضررين من تلك الادلجة.

و في أفق الاقتناع بضرورة إغلاق الشعب، و الكليات و المعاهد و الجامعات المؤدلجة للدين الإسلامي نرى ضرورة مراجعة البرامج الدراسية في مختلف التخصصات من اجل تنقيحها من كل ما هو مؤدلج للدين الإسلامي، سواء تعلق الأمر بالتعليم الأولي أو التعليم الابتدائي، أو الإعدادي، أو الثانوي حتى يصير التعليم أداة تنويرية من جهة، و حتى  يكون ذلك التنوير وسيلة لمحاربة ادلجة الدين من جهة أخرى بالإضافة إلى إضعاف الإقبال على الشعب و الكليات و الجامعات المؤدلجة للدين الإسلامي.

و للقيام بذلك يجب إعداد كوادر المراقبة المختصة في تطهير البرامج الدراسية مما هو مؤدلج للدين الإسلامي و تدريب تلك الكوادر تدريبا محكما، و إلحاقها بأقسام البرامج الدراسية في الوزارات التعليمية للقيام بالمراجعة اللازمة لتلك البرامج ثم القيام بالإشراف على الدورات التكوينية للأطر الدراسية حتى تجد نفسها مضطرة للتخلي النهائي عن ممارسة ادلجة الدين الإسلامي، التي قد تقوم بها عن غير قصد و من حيث لا تدري.

و بذلك نكون قد وفرنا المناخ اللازم و المناسب لاغلاق الشعب و الكليات و الجامعات المؤدلجة للدين الإسلامي مما يعتبر اكبر دعم لاعتبار الجامعات و المعاهد العليا منارات تنويرية على جميع المستويات و في البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين حيث يتحول الناس إلى العمل من اجل التمتع بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و العمل على إقامة نظام ديمقراطي يكفل لجميع المواطنين حق اختيار من يمثلهم في مختلف المجالس، و حق اختيار من يحكمهم تحقيقا لمبدأ الديمقراطية من الشعب و إلى الشعب.

30) إنشاء هيئة عليا للمراقبة العامة تتشكل من كل التخصصات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و العلمية، و من الأحزاب السياسية لتحديد المعايير العامة التي تحدد ما هو المنكر، و ما هو المعروف انطلاقا من الواقع. لأن المفاهيم السائدة عن المعروف و المنكر هي مفاهيم مختلفة، و مؤدلجة للدين الإسلامي، و لا يمكن أبدا أن تساهم في تطور و تطوير الحياة في المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. لأنها لا ترى بعيدا و لا تعمل إلا على قولبة الإنسان. و لذلك فإعادة النظر فيها عن طريق تحديد المعايير التي نخضع لها في معرفة ما هو المنكر ؟ و ما هو المعروف ؟ يعتبر مهمة تاريخية بالنسبة للبلاد العربية و باقي بلدان المسلمين؟

و طبقا للمعايير التي تحددها الهيأة العليا للمراقبة حسب اقتراحنا. يمكن أن نحدد :

أ- ما هو المعروف الاقتصادي في مجال الصناعة، أو في مجال التجارة، أو في مجال الزراعة، أو في مجال الأجور و الخدمات و المهن الحرة، و الأبناك، و غير ذلك مما له علاقة بالاقتصاد ؟ و ما هو المنكر في المجالات الاقتصادية المذكورة، حتى نتبين ما يجب عمله و ما يجب تجنبه على المستوى الاقتصادي انطلاقا من الواقع الاقتصادي الذي يعيشه الناس ؟ و بالتالي فإن مراقبة الاقتصاد تقوم بناء على ما تحدد من معروف، و من منكر و هيأة المراقبة وحدها تكون معنية بالأمر بالمعروف و بالنهي عن المنكر ، حتى ننزع ذلك من مؤدلجي الدين الإسلامي الذين لا علم لهم بالمعروف و بالمنكر في المجالات الاقتصادية.

ب- ما هو المعروف الاجتماعي في مجال التعليم و الصحة و السكن و الشغل و العادات و التقاليد و الأعراف و غير ذلك مما له علاقة بالحركة الاجتماعية، حتى يعرف الناس ما يجب عمله لبناء مجتمع سليم من الأمراض المختلفة حتى يتبين الأمل في انتقال إلى الأحسن في ميادين التعليم و الصحة و السكن و الشغل و العادات و التقاليد و الأعراف, ومن يقوم بالأمر بالمعروف حسب المعايير التي تم تحديدها ؟ و من هي الجهات المعنية بذلك الأمر؟ و ماذا يجب تجاهها إذا لم تقم بما يجب ؟ وما هو المنكر الاجتماعي في مجال التعليم و الصحة و السكن و الشغل، و العادات و التقاليد و الأعراف و كل ما له علاقة بالحركة الاجتماعية؟ حتى يعرف الناس ما يجب تجنبه لوقاية المجتمع من الأمراض التي تنهكه و تحد من تحوله إلى الأحسن، ومن هي الجهة التي تقوم بالنهي عن المنكر؟ و من هم المعنيون بالامتناع عن القيام به؟ و ماذا يجب عمله في حقهم؟

ج- ما هو المعروف الثقافي في مختلف المكونات الثقافية و في التفاعل فيما بينها، و في القيم التي تنتجها تلك المكونات منفردة، و متفاعلة، و في دور تلك القيم في تطور المجتمع ؟ و ماذا يجب عمله لجعل تلك القيم اكثر فعالية في تطور المكونات الثقافية من جهة، و في تطور المجتمع من جهة أخرى ؟ و من هي الجهة التي يوكل إليها الأمر بالمعروف الثقافي المأمور به ؟ و ماذا يجب عمله في حقها إذا امتنعت عن ذلك؟

و ما هو المنكر الثقافي في مختلف المكونات الثقافية و في التفاعل فيما بينها ؟ و ماذا يجب عمله بالنسبة لقيم المنكر التي تنتجها مختلف المكونات منفردة و متفاعلة ؟ و في دور تلك القيم في تخلف المجتمع؟ و ما هو دور المنكر الثقافي في ارتداد الثقافة؟ و من هي الجهة التي تقوم بالنهي عن المنكر؟ و من هي الجهة التي يجب عليها الامتناع عن فعل المنكر؟ و ماذا يجب عمله في حقها إذا لم تمتنع عن فعل المنكر الثقافي؟

د- ما هو المعروف المدني؟ و من هي الجهة المعنية بتحديد ذلك المعروف و الأمر به؟ و من هي الجهة المعنية بفعل ذلك المعروف؟ و ماذا يجب عمله في حقها في حالة امتناعها عن القيام به؟ و ما هو المنكر المدني و من هي الجهة المعنية بتحديد ذلك المنكر؟ و ماذا يجب عمله في حالة عدم الامتناع عن فعله بالنسبة للجهات المعنية بذلك؟ و ما هو دور المعروف المدني في تطور المجتمع أو  في تخلفه … وهكذا ؟

ه- و ما هو المعروف السياسي؟ و من هي الجهات المعنية بتحديد ذلك المعروف السياسي في ممارسة الدولة؟ و في ممارسة الأحزاب السياسية؟ و في ممارسة مختلف المؤسسات المعنية بسياسة الدولة الداخلية و الخارجية، و من هي الجهة المعنية بالمعروف السياسي، و ماذا يجب عمله في حالة عدم القيام به؟

و ما هو المنكر السياسي؟ و من هي الجهة المعنية بتحديد المنكر السياسي في ممارسة الدولة؟ و في ممارسة الأحزاب السياسية و في ممارسة مختلف المؤسسات المعنية بسياسة الدولة الداخلية و الخارجية؟و من هي الجهة المعنية بالنهي عن المنكر السياسي؟ و ماذا يجب عمله في حالة عدم الامتناع عن القيام بذلك المنكر؟

و لذلك كانت ضرورة إنشاء هيئة عليا للمراقبة العامة حتى تعلب دورها في تحديد المعروف ، و تحديد المنكر انطلاقا من معايير محددة تتفق عليها مختلف المكونات انطلاقا من الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، و حتى تحدد من يقوم بمهمة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من اجل قطع الطريق أمام مؤدلجي الدين الإسلامي الذين يلعبون دور النيابة عن الله في الأرض، و يوظفون الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر توظيفا إيديولوجيا.

31) إنشاء هيأة عليا للدراسات الدينية تقوم بالإشراف على المؤسسات الدينية، و تتابع ما يجري فيه، و تعمل على محاصرة ادلجة الدين الإسلامي، و تعد القائمين بالوعظ و الإرشاد في تلك المؤسسات بما يتلاءم مع المواثيق الدولية، لأنه بدون إنشاء تلك الهيأة الدينية تبقى الدراسات الدينية مشاعة للمتطفلين الذين يؤدلجون الدين الإسلامي، و يوهمون الناس انهم ينتجون الدراسات الدينية، سواء كانوا يقومون بذلك لصالح أنفسهم فقط لحماية المصالح التي تكونت عندهم بسبب ادلجة الدين الإسلامي، أو لصالح توجهات سياسية قائمة على تلك الادلجة. و إذا كان لابد من العمل على إنشاء هيأة عليا للدراسات الدينية، فإن الغاية من إنشاء هذه الهيأة يتحدد في :

أ- إخضاع جميع الدراسات التي يصدرها أصحابها إلى القراءة النقدية الهادئة للكشف عن الجوانب الإيديولوجية التي تتضمنها بناء على مقاييس محددة يتم الاتفاق عليها في إطار تلك الهيأة و نشر تلك القراءة في مختلف وسائل الإعلام المقروءة و المسموعة لجعل الناس على بينة من تلك الجوانب الإيديولوجية و مدى تأثيرها على الفهم الصحيح للدين الإسلامي، و مدى مساهمتها في نشر الإرهاب بين الناس.

ب- إخضاع أصحاب الكتب للمساءلة و مطالبتهم بتقديم الاعتذار للمسلمين بسبب ما قاموا به من ادلجة الدين الإسلامي باعتبارها منكرا. و إلا فإن تلك الهيأة تحيل ما قام به مؤلفو تلك الكتب على القضاء لقول كلمته.

و قد يعتبر البعض أن ما ذهبنا إليه في هذه الفقرة يعتبر مسا بحرية التعبير، و حرية الرأي، فنرد عليه بأن ادلجة الدين الإسلامي هي اعتداء على المسلمين و مصادرة لدينهم لصالح الممارسة الإيديولوجية و السياسية لتيار سياسي معين و مصادرة من هذا النوع ليست إلا مصادرة للملك العام. و الإسلام ملك عام لجميع المسلمين، و لا حق لأي أحد في أن يصادره لصالح حزبه أو توجهه السياسي.

ج- اصدار كتيبات توجيهية بعيدة عن ادلجة الدين الإسلامي حتى يستعين بها المسلمون على فهم أمور دينهم بعيدا عن الأمور الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية التي تدخل في إطار الشأن العام الذي تهتم به مؤسسات الدولة، و الأحزاب السياسية، و النقابات و الجمعيات و غيرها مما لا علاقة له بأمور الدين.

د- القيام بزيارات لمختلف المساجد لتتبع ما يلقيه خطباء الجمعة على المصلين، و دراسته و الوقوف على الجوانب الأيديولوجية في تلك الخطب، و مساءلة القائمين بها، و إلزامهم بتقديم الاعتذار إلى المصلين في الجمعة الموالية، و إلا فإنهم يعرضون على أنظار القضاء لاعتدائهم على المسلمين في دينهم الذي تمت ادلجته.

ه- إعداد تقارير دورية عن الحياة الدينية و ما لحقها من ادلجة على جميع المستويات الوطنية و الجهوية و الإقليمية في كل دولة على حدة، و على مستوى البلاد العربية و سائر بلدان المسلمين، على أساس نشر تلك التقارير عبر وسائل الإعلام السمعية البصرية و المقروءة، و عقد ندوات حولها في مختلف الدول و عبر مختلف وسائل الإعلام و في المساجد من اجل جعل الناس يمتلكون الوعي بحقيقة دينهم.

و هذه الهيأة التي تشكل في كل بلد من البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين تسند إليها مهمة الإشراف على المؤسسات الدينية حتى تكون مسؤولة مسؤولية كاملة عما يجري فيها، فهي التي  تختار أئمة الصلوات الخمس بناء على مقاييس محددة، و هي التي تقوم بالإشراف على اختيار أئمة الجمعة بناء على مقاييس تتناسب مع مهام إلقاء خطبة الجمعة، و هي تختار من يقوم بإلقاء الدروس الدينية، و تراقب ما يجري فيها و هي التي تراقب الكتب التي تروج داخل المساجد و أمامها حماية للإسلام من الادلجة، و تراقب كل الكتب التي تهتم بالدراسات الإسلامية التي إذا تبثت ادلجتها للدين الإسلامي، يخضع أصحابها للمساءلة إن كانوا أحياء، أو تمنع من التداول إن كانوا من الأموات.

و لذلك نرى أن مهمة الهيأة العليا للدراسات الدينية هي مهمة صعبة، و صعوبتها تقتضي اختيار أعضائها بدقة متناهية، حتى يكونوا في مستوى المهمة الموكولة إليهم تجاه الدين الإسلامي، و تجاه المسلمين، و تجاه التاريخ، و تجاه الواقع في نفس الوقت.

و هذه الهيأة تقوم بعقد دورات تكوينية لأعضائها من جهة، و لأئمة المساجد المكلفين بالصلاة من جهة أخرى، و لأئمة المساجد المكلفين بخطبة الجمعة من جهة ثالثة حتى يدرك الجميع خطورة ادلجة الدين الإسلامي، و ما تجره من تخلف على المسلمين في جميع أرجاء الأرض. و كيف يصير مجتمع المسلمين في حال تطهير الدين الإسلامي من الادلجة، و في حال وضع حد للمؤدلجين في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين.

32) تحديد المعايير التي يجب أن تتوفر في أئمة المساجد، و المؤذنين، و تجريم استغلالهم للمساجد لنشر ادلجة الدين الإسلامي. لأن هؤلاء يفتحون المساجد في وجه مؤدلجي الدين الإسلامي و يجعلونها مشاعة لهم، و يساعدونهم على إشاعة ادلجة الدين الإسلامي، و هم بذلك يحولون المساجد إلى مقرات حزبية، و يعتبرون أنفسهم مداومين في تلك المقرات يستقبلون الأفواج من المؤدلجين، و يقدمون إليهم الفتاوى التي يصدرها أمراء التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي.

و لذلك نرى أن اعتماد معايير محددة لاختيار أئمة المساجد يعتبر مسألة أساسية و ضرورية لتجنب تحويل المساجد إلى مقرات حزبية، و منطلقا لأدلجة الدين الإسلامي، و العمل على إشاعة تلك الادلجة بين الوافدين على تلك المساجد.

و من هذه المعايير، نجد :

أ- أن الأئمة و المؤذنين يعتبرون من موظفي الدولة، و ما يقومون به يدخل في إطار العمل الوظيفي، و هم مسؤولون عن كل ما يجري في تلك المساجد ما دامت مفتوحة في وجه المصلين أو أماكن مغلوقة كذلك.

ب- أن يكونوا من حفظة القرءان الكريم، حتى يقوموا بدورهم في جعل الناس يقومون قراءته أثناء الصلاة، و حتى أثناء تلاوته خارج أوقات الصلاة داخل المساجد.

ج- أن يكون ملما بعلوم القرءان التي تجعله يتبين معانيه البسيطة لجعل الناس يستوعبون تلك المعاني و تذوقونها، و يتذوقون صور القرءان الكريم البليغة أثناء التلاوة لاستلهام المعاني النبيلة التي تدعو إلى التشبع  بالقيم النبيلة .

د- أن يكون ملما بالحديث النبوي الشريف  و حافظا للأحاديث الصحيحة التي لها علاقة بالصلاة و الزكاة و الصوم و الحج، حتى يساهم ذلك في قيامهم بعملية الإرشاد الديني على احسن وجه.

ه- الإلمام بعلوم الحديث التي تساعده على معرفة الحديث الصحيح، و الحسن، و المقبول و الضعيف و المنكر، حتى لا يروي للناس أحاديث ضعيفة أو منكرة لتشريع أمور لا علاقة لها بالعبادات.

و- أن يكون حاصلا على مستوى دراسي معين في مستوى شهادة الباكالوريا حتى يكون قادرا على التعاطي مع مقتضيات العصر على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و حتى يكتسب مستوى من التنوير يحصنه ضد اللجوء إلى ادلجة الدين الإسلامي التي تحرف الدين الإسلامي الحنيف.

ز- أن يخضع للدورات التكوينية التي تنظمها الهيأة المكلفة بأمور الدين الإسلامي في كل بلد على حدة، من اجل رفع مستوى أئمة المساجد المعرفي حتى يعو ما يجري في العالم، و يتجنبوا التحول إلى مجرد مداومين و مرددين لفتاوى أمراء ادلجة الدين الإسلامي الحنيف.

ح- أن يخضعوا لإجراء حركة انتقالية إلزامية داخل المدينة او القبيلة حتى لا يتحولوا إلى مجيشين للمصلين عن طريق ادلجتهم للدين  الإسلامي أو مساعدين للمجيشين المصلين من مؤدلجي الدين الإسلامي.

ط- أن يخضعوا للحركة الانتقالية الاختيارية من مدينة إلى مدينة، أو من قبيلة إلى قبيلة، أسوة بالموظفين الذين يخضعون للحركة الانتقالية الاختيارية.

ي- أن يخضعوا للمراقبة الرسمية التي تقوم بها الهيأة المكلفة بالشؤون الدينية أثناء أداء مهامهم في الإشراف على الشؤون الدينية في مختلف المساجد على مستوى كل دولة على حدة.

و بالإضافة إلى ما ذكرنا نرى ضرورة تكليفهم بإلقاء دروس دينية مبسطة في المساجد التي يكلفون بها، وفق برنامج محدد في إطار الهيئة الدينية المشرفة على المساجد، لقطع الطريق على المتطفلين الذين يستغلون المساجد لأدلجة الدين الإسلامي.

و بهذه المعايير يمكن أن نحول المساجد في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين إلى وسائل لرفع مستوى المسلمين الديني عن طريق بث القيم الدينية التي ترفع مستوى تربية المسلمين و تدفعهم إلى نبذ ادلجة الدين الإسلامي التي لا تتناسب مطلقا مع حقيقة الدين الإسلامي.

و نحن عندما نرفع من مكانة المسلمين، إنما نعد المجتمعات في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين لتقبل تطوير مفهوم المعروف و مفهوم المنكر، و تغيير الهيئات التي تقوم بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و التقبل من هذا النوع ليس إلا نتيجة لنفاذ التنوير إلى عمق المجتمع في كل بلد عربي، و في باقي بلدان المسلمين، حتى نعطي للدين الإسلامي طابع الصلاحية في كل زمان، و في كل مكان. و نتجنب الجمود العقائدي الذي يسجن المسلمين في دهاليز ظلام ادلجة الدين الإسلامي التي أغرقت المسلمين في كل بلاد المسلمين في المزيد من التخلف.

 

خاتمة :

و بهذه المعالجة المسهبة نصل إلى خلاصة أن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بدأ واقعيا يستهدف تقويم انحرافات الواقع في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية انطلاقا من التصور الذي جاء به الدين الإسلامي في التعامل مع الواقع الذي اختير لنزول الوحي فيه، و الذي ارتبطت معظم آيات القرءان به فيما صار يعرف بأسباب النزول، و تقويم انحرافات الواقع لا تتم إلا ببث القيم النبيلة التي هي أداة التقويم نفسه، ليصير الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر انطلاقا من التأويلات الإيديولوجية المختلفة التي لم تعد تقوم الانحرافات بقدر ما صارت تكرسها حتى و لو أدى الأمر إلى القيام بكل الممارسات الإرهابية ضد المستهدفين بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لفرض تكريس ادلجتهما.

و لإعطاء صورة مخالفة لما كان مكرسا في ممارسة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، حاولنا من خلال هذه المعالجة المسهبة و الهادئة أن نصوغ مفهوما متطورا للمعروف الذي أنزلناه من السماء إلى الأرض. و كذلك الشأن  بالنسبة للمنكر من اجل أن يصير قيما اجتماعية صرفة يحضران في جميع أشكال الممارسة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية. و حاولنا إعطاءهما البعد النسبي الذي يجعلهما  يتحددان انطلاقا من البعدين الزمني و المكاني، و من المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والمدني والسياسي الذي يعيشه الناس لنزع الصفة الدينية عنهما حتى لا يستمر مؤدلجو الدين الإسلامي في ادلجتهما، و استغلال بعدهما الديني لتجييش الناس وراء مؤدلجي الدين الإسلامي.

و من خلال هذه المعالجة حاولنا جعل الغاية من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر متناسبة مع التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والمدني والسياسي حتى لا تبقى رهينة بالبعد الإيديولوجي الذي كان بعدا دينيا صرفا.

و حاولنا الوقوف على عوامل نسبية المعروف، و نسبية المنكر لنزع صفة الاطلاقية التي تساعد على ادلجتهما من جهة، و على جعل مؤدلجي الدين الإسلامي يسعون إلى العمل على تمثيلية الله في الأرض و هو أمر غير وارد على الإطلاق في عرف الدين الإسلامي الذي حسم أمر التمثيلية في مجرد نزول الوحي. و لا أحد يمثل الله على الأرض خارج ما جاء في القرءان الذي جاء فيه موجها الخطاب إلى الرسول ” قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي”.

كما حاولنا الوقوف على علاقة المعروف و المنكر بالقيم السائدة في المجتمع حتى نعمل على تكريس البعد الاجتماعي لهما.

و عملنا على الوقوف على ادلجة المعروف و ادلجة المنكر من قبل المؤدلجين للدين الإسلامي، و على الوقوف على الغاية من تلك الادلجة.

و سعينا من خلال تحليلنا إلى التمييز بين معيار المعروف و المنكر، و معيار ادلجة المعروف و المنكر حتى نجعل المتتبع يميز بين قيم المعروف و المنكر التي تعمل على جعل المجتمع يتخلص من مختلف الانحرافات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية، و بين قيم الادلجة التي تكرس تلك الانحرافات و تعمقها و تؤبدها على أنها هي “الدين الإسلامي” الذي يتجسد في الوصول إلى السلطة السياسية التي تمكن من “تطبيق الشريعة الإسلامية” تلك السلطة التي يسميها المؤدلجون ب”الدولة الإسلامية”.

و وقفنا من خلال تحليلنا على  ضرورة تحديد هيأة للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، بمساهمة جميع مكونات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية، سعيا إلى نزع فتيل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من مؤدلجي الدين الإسلامي، و رغبة في قيام مفهوم جديد و متطور للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

و حاولنا الوقوف على آفاق تجنب التوظيف الإيديولوجي للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لتخليص الدين من الادلجة من جهة، و لتمكين المجتمع من التخلص من تلك الادلجة.

و سعينا إلى الجواب عن السؤال ما العمل لجعل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في خدمة المجتمع، و استعرضنا مجموعة من الأوجه التي تساعد على تطور المجتمع بتفعيل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

و بهذه الخلاصات التي انتهينا إليها في تحليلنا نكون قد شرعنا في التأسيس لإعادة النظر في مختلف المفاهيم التي تقوم في المجتمع، و تسعى إلى أن تحتفظ بالبعد الديني التقليدي و المتأدلج أصلا، حتى ينطلق المجتمع في كل بلد عربي و في باقي بلدان المسلمين نحو التخلص من ادلجة الدين الإسلامي المعطلة لقدراته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية و الانطلاق نحو الفعل الخلاق المتناسب مع روح العصر، و انطلاقا من الحرص على التمتع بالحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية. و سعيا إلى التمتع بالحقوق الكونية و الشمولية، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية كما هي في المواثيق الدولية، حتى ترقى البلاد العربية و باقي بلدان المسلمين إلى مستوى ما عليه البلدان المتقدمة، و تتخلص نهائيا من التبعية للبلدان الرأسمالية الكبرى و من تعليمات صندوق النقد الدولي، و البنك الدولي، و من نهب الشركات العابرة للقارات، و من كافة الأمراض المترتبة عن التخلف في جميع المجالات و على جميع المستويات حتى يصير التنوير متسللا إلى جميع البيوت، و كل العقول و ما ذلك على المناضلين الأوفياء للشعوب بعزيز.

المغرب – ابن جرير في 16/8/2004

محمد الحنفي

 

 

 

 

اترك تعليقاً