الأرشيفثقافة وفن

رواية “مدينة الله” للأديب الفلسطيني الدكتور حسن حميد في عيون مغتربة مقدسية – هناء عبيد

صدرت رواية “مدينة الله” للأديب الفلسطيني الدكتور حسن حميد عام 2009 عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر”

السرد الأدبي في هذه الرواية لم يكن متميزًا بفيض وغزير كلماته النورانية فحسب، بل كان ساحرًا للروح، آسرًا للنفس، مبهجًا للقلب، مشعلًا للمشاعر، موقدًا للأحاسيس، مدمعًا للمقل.
لم تكن رحلتي مع الرواية كغيرها من الروايات، إذ تفاجأت بروحي وقد غاصت بين كل هذا الكم الغزير من المشاعر والحب والفرح والحزن والألم والغصة التي غمرت سطورها، فقد عشت بكل حواسي مع هذه المشاعر الفياضة في عشق مدينة النور؛ أنا الفلسطينية المولودة على أرض القدس، المبعدة قسرًا عن طيب أرضها.
الأديب الدكتور حسن حميد أبعده الاحتلال عن الوطن ليعيش غربته بعيدًا عن مدينة الله، فلم تطأ قدمه القدس، لكن ذلك لم يستطع أن يخلق المسافات بين قلبه وأرض القداسة التي تسكنه، وليس ذلك بالأمر المدهش أو المذهل لكل من تأصلت جذوره بهذه الجنة المحروسة بالعشق، فالحبال التي تربط قلوبنا بمدينة الله، متينة بقدر عشقنا الأزلي لها. لهذا استطاعت هذه القطعة النورانية الهابطة من الجنة على الأرض، أن تكون حاضرة في عين الروائي، ومحفورة في قلبه، فباحت أحاسيسه بكل ما دفق به قلبه من دفء وحب، وأدركت روحه مواسم المشاعر المتقلبة في المدينة الموشومة بالسحر، حيث الفرح والسعادة والطيبة والحب والحزن والألم والصبر.
وحدثتنا مشاعره المتأججة بعشق الأرض عن أجمل خيراتها؛ تلك التي تحتاج إلى كتب وكتب كي تستطيع أن تحتويها، فغزارة الخيرات لا تنعتق عن غزارة عشق الأرض، كأنهما يرتويان من نهر واحد لينتجا لنا ألذ الثمار، حيث التين والزيتون والرمان والبرتقال والليمون واللوز والسرو والتفاح والبقوليات والزعتر والميرمية، خيرات تغرق الجبال بخضرة أبدية، تغري من يراها بالالتصاق بها.
ننتشي بهذه الألحان والموسيقى العذبة التي تعزفها مشاعر الروائي لوهلة، لندخل في دوامة تحيل نشوتنا إلى صحوة مؤلمة، فقد شاءت الأقدار أن يطأ أرض الطهارة لصوصًا شوهوا التاريخ، ومرتزقة داسوا بأحذيتهم القذرة كل جميل،
وما أنسب مفردة البغالة التي اختارها الروائي بذكاء لهؤلاء اللصوص، فهي أبلغ وأدق مفردة تليق بوحوش لا تعرف غير القتل والتدمير والتعذيب وتشويه الجمال.
لقد تمكن الروائي بكل أريحية أن يدخلنا في سراديب التاريخ، لتتضح الصورة وينفضح الكذب الذي اختلقه هؤلاء العابرون، هؤلاء الذين فصلوا أديانًا تتناسب مع مصالحهم، وافتروا قصصًا تتماشى مع مطامعهم، متناسين أن تلك المدينة الساحرة تستطيع التمييز بين من يحنو عليها ويرأف بها، وبين من داس أرضها اغتصابًا وحاول تشويه قدسيتها التي تعانقت في رحابها كل الأديان السماوية بكل تعاون ومحبة ومودة، فالسارق جبان يعيش الخوف الدائم، يسرد التاريخ الكاذب، يخرب الأرض التي تنبذه ولم تلده يومًا، بينما ابن الأرض يروي تاريخه بفخر، يسرد قصصه من جذور الأرض المرتبطة فيه بحروف تراصت بكل عشق، بل ويوثق بطولته بدمائه التي يسترخصها من أجل تراب الوطن وطهارة القدس.
تبدأ الحكاية بالسيدة وديعة عميخاي العاملة بمركز البريد، التي يعاتبها ضميرها بسبب احتفاظها برسائل كان من المفترض أن تصل إلى أصحابها، لكن السيدة وديعة تحتفظ بهذه الرسائل نظرًا لحبها لقصص وأخبار هذه الرسائل، واعجابها بأسلوبها الأدبي البديع، وعشقها للغة العربية، تصاب بمرض عضال وتقرر أن تسلم الرسائل إلى زميل لها كان قد التحق معها بدورة تأهيل بالأرشفة قبل أربعين عاما، تذهب إليه في مكتبه في بيت الشرق لتسلمه الرسائل التي كانت بين السيد فلاديمير وأستاذه باللغة العربية إيفان الذي يعمل بجامعة سان بطرسبورغ. يستلمها زميلها ويحاول ان يتواصل مع كل من ذكر اسمه في الرسائل، لكنه لا يعثر على أحد منهم، لهذا يقرر أن ينشر هذه الرسائل في كتاب كما أشار عليه البعض.
الرسائل خطها فلاديمير الى أستاذه باللغة العربية ايفان، كتب له من خلال عين عادلة، استطاعت أن تميز الصدق من الكذب، النقاء من الخبث، بل وتمكنت أن تستطلع ملامح الوطن في صدق المشاعر، وميزت كل أصيل في القدس من خلال ملامحه الملفوحة بشعاع نورها.
كما تمكنت تلك العين العادلة الثاقبة أن تدرك أن هؤلاء البغّالة ما هم إلا مجرد أجساد متنقلة، لا تستطيع العيش دون تلك البندقية التي تحمي وجودهم، فلا الأرض تعشقهم ولا باطن الأرض يحن عليهم.
تحدث فلاديمير لصديقه عن فاشية الاحتلال من خلال قصص عذابات السجن، والتناقضات التي تحملها الحبيبة التي تتحول من سجانة نهارًا الى صاحبة أحاسيس وقلب مفعم بالحب ليلًا، ولكن أي حب هذا وأي عناق هذا؟! ولكأنه عناق أفعى تتلوى لتفتك بالضحية.
الرواية لم تكن عملًا أدبيًا يحمل أحداثًا فحسب، بل حملت في طيات عباراتها تاريخ فلسطين والقدس، وطبيعة الحياة الاجتماعية في فلسطين وعلاقة الناس ببعضهم، كما تحدثت عن مميزات الشعب الفلسطيني الذي مهما اطفئت في جسده أعقاب السجائر فإنه لن يستسلم ولن ينطفئ، إنها رواية الرحلات التي تنزهنا من خلالها في ساحات القدس وحدائقها الغناء، إنها القداسة التي جعلتنا نركع ونصلي في مساجدها وكنائسها، إنها الحكايا التي تنقلنا من خلالها بين مدن فلسطين وقراها، إنها ملحمة المأساة التي يعيشها الأسير الفلسطيني بكل أطيافه، فالطفل والمرأة والرجل سواسية في تلقي العذاب الذي لا تستخدمه إلا آلات وحوش، إنها سيمفونية الحب الذي يجمع أهالي المدينة، إنها الطهارة التي تتعانق فيها الديانات، انها جغرافية المكان والأرض بسهولها ووديانها وجبالها ودمعاتها الجارية بين أوديتها، إنها التوثيق التاريخي لسرقة أرض، ونضال أمة، وعشق تراب.
ولن تأخذني عاطفة عشقي لمدينة النور عن الإشادة بالإبداع الأدبي الساحر للرواية، إذ أن أسلوب السرد بتقنية الرسالات كان الأعمق وقعًا على النفس، فهل هناك ما هو أكثر حميمية من معانقة ورق أشجار هذه الأرض المقدسة للحديث عن طهرها وبهائها وصمودها وصبر أهلها.
ولم تكن المفردات الثرية أقل حظّا من البراعة في اختيارها، فقد كان النص ذاخرًا بمعجم لغوي ثري يربطنا بجمال وعظمة لغتنا العربية.
لا شك انها رواية أدبية تاريخية توثيقية عاشقة، تثري رفوف المكتبات العربية بقيمتها، وتزينها بكل فخر.

هناء عبيد