الى علي بدر .. حين يغيب البدر – نضال حمد

بيروت … الفاكهاني .. الزمان مايو- ايار 1982 …

كنت اقف امام مقر تابع لجبهة التحرير الفلسطينية بانتظار خروج الرفيق طلعت يعقوب الامين العام للجبهة من المكان. حين وصل الى المقر الصديق والرفيق علي بدر قادما من جمهورية بولندا الشعبية حيث كان يدرس في كلية الطب بمدينة كاتوفيتسه. وعلي بدر من رفاقنا القدامى في الجبهة ومن طليعة طلابها في المخيم ثم في بولندا. كان محبيه في بولندا والدنمارك ينادونه البدر ..

 طرح عليا السلام وباشر على الفور تطبيق مهنته المستقبلية بفقأ التهاب بسيط ظهر على انفي.

 قال لي: لا يجب ان تبقيه هكذا.

 طبعا كان علي يتكلم مبتسما كعادته. وبالرغم من  ضخامة جسده فان من يتعرف عليه لأول مرة يعتقد انه طفل في جسد رجل.

 بعد تلك الواقعة في الفاكهاني عاصمة الثورة الفلسطينية في لبنان، غادرت المكان مع الامين الشهيد فيما بعد ابو يعقوب. وغادر البدر نفس المكان متجها الى مخيمه – مخيمي – مخيمنا عين الحلوة في الجنوب اللبناني. اذا لم تخني الذاكرة كان يومها برفقة الصديق والرفيق خليل زيدان. الذي بدوره اصيب فيما بعد بمعركة علمان الشهيرة حيث تم انزال القوات الصهيونية بالمظلات جوا وعبر البحر. كان خليل بطلا من ابطال الجبهة ومن ابطال ذلك الزمان، حيث استشهد ايضا صديقنا قاسم حجير، واصيب رفيقي وابن عمي وحوصر أخي الوحيد.

 كل تلك الوقائع جرت بعد اقل من اسبوعين من لقائي بعلي بدر في الفاكهاني. إذ حصل الغزو الصهيوني للبنان بداية شهر يونيو- حزيران 1982، واعتقل على اثره علي خالد بدر كغيره من الشباب الفلسطينيين واللبنانيين، حيث قضى فترة من الزمن في الاسر في معتقل انصار. وبعد الخروج من المعتقل عاد البدر الى بولندا لتكملة دراسته في كلية الطب.

بعد خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية من حصار بيروت سنة 1982 الى الدول العربية، وعند دخول الصهاينة وحلفائهم الى بيروت الغربية عقب اغتيال العميل المجرم بشير الجميل حليف شارون وبيغن والصهاينة، حصلت  مذبحة مخيمي صبرا وشاتيلا وكنت ضمن مجموعة محدودة العدد من المقاتلين الذين بقوا في بيروت وواجهوا الصهاينة وعملائهم، اصبت اصابات بليغة وعلى اثرها عولجت في مستشفى غزة وفي مشفى اللاهوت ثم في مستشفى الجامعة الامريكية ببيروت، ثم في مستشفيات ايطاليا وبعد ذلك في وارسو ببولندا.

وارسو – مستشفى كونستانتشين – 1984 :

كنت على سرير في غرفتي بعد اجراء عمليتان جراحيتان في ساقي ويدي. كنت غارقا في الذكريات حين ظهر فجأة امامي ومن دون سابق انذار الرفيق علي بدر ببسمته المعهودة. ومعه الرفيقين جمال أحمد وعلي داوود. جاءوا من مدن بولندية مختلفة تبعد مئات الكيلومترات عن وارسو خصيصا لعيادتي وزيارتي في المستشفى. جلسنا في الغرفة ثم خارجها بعد وضعي على عربة متنقلة. تحدثنا مطولا عن اوضاعنا الفلسطينية وعن اللقاء الذي تم في بيروت بالفاكهاني، وعن تجربة علي في معتقل انصار وعن الاصدقاء والمخيم والجبهة والثورة. عاد جمال احمد بصحبة علي داوود الى مدينة فروتسلاف التي كانا يدرسان بها والتي اصبحت فيما بعد خياري للاقامة وللدراسة في بولندا. وبقي عليا في وارسو حيث قضينا معا اياما لا تنسى.  بعد خروجي من المشفى واقامتي مؤقتا في الفندق، ذات يوم جاءني علي برفقة صحافي بولندي من جريدة (جيتشي بوسبوليتي) اليومية الشهيرة، حيث اجرى الاخير ويدعى (زيغمونت) حوارا معي عن تجربة بيروت وحصارها واصابتي ومجزرة صبرا وشاتيلا. وضع عنوانا للحوار هو التالي ( تشريح الجريمة) .. كان البدر مترجمي في تلك المقابلة. نشرت المقابلة بعد ايام، ولازلت احتفظ بنسخة ورقية، اصلية منها. وبصورتين لي مع الصحفي زغمونت واخرى مع علي بدر.

فروتسلاف – النادي اليوناني – 1985 :

بعد سنة من اول لقاء مع علي انتقلت الى مدينة فروتسلاف ومن هناك بدأنا اعادة بناء تنظيم جبهة التحرير الفلسطينية الطلابي في بولندا بمشاركة علي بدر وآخرين لا أحب ذكر اسماءهم دون سؤالهم عن ذلك. وأقمنا اول احتفال بذكرى انطلاقة الجبهة ويومها الوطني في مدينة فروتسلاف بالنادي اليوناني. وكان علي بدر من القائمين على الاحتفال حيث وصل الى فروتسلاف قادما من كاتوفيتسه مع عدد من الرفاق والاصدقاء. ايضا هناك صور عديدة من الحفل بالاسود والأبيض. سوف انشرها قريبا جدا تكريما للبدر ودوره الكبير في تجربتنا الطلابية النضالية في اوروبا.

أحب علي السفر والمطالعة وتعلم اللغات وأجاد عددا منها .. كان ذكيا ومحبا للعلم لكنه بنفس الوقت كان فوضويا في يومياته وطريقة واسلوب حياته. واحيانا كانت تتغلب مزاجيته على عقلانيته. لكنه كان محبوبا من كافة رفاقه و اصدقائه. غرفته في سكن الطلبة الجامعي بكلية الطب كانت مكتبا لجبهة التحرير الفلسطينية ومأوى لكل عابر سبيل من الفلسطينيين. لم يترك علي بدر مناسبة وطنية الا وشارك بها في بولندا واحيانا في دول اوروبية اخرى.

في القطار من بولندا الى برلين الشرقية فالغربية 1985 :

زيارتي الأولى الى الألمانيتين الشرقية والغربية وعاصمتهما المقسمة بين شرقية وغربية برلين، التي توحدت بعد سقوط المعسكر الاشتراكي سنة 1989 كانت برفقة علي بدر. حيث كان هناك اجتماع لكادر جبهة التحرير الفسلطينية في اوروبا الشرقية + المانيا الغربية.  شارك في الاجتماع رفاق اتحفظ عن ذكر اسماءهم الآن ولكن كنت ومعي علي بدر نمثل وفد بولندا. كان يجب علينا مغادرة برلين الشرقية في نفس اليوم لان السلطات الشيوعية لا تسمح لنا الا باربع وعشرون ساعة ترانزيت. غادرنا برلين الشرقية ليلا بعدما تعرفت بشكل سريع على بعض معالمها التي كان يعرفها ويحفظها علي بدر عن ظهر قلب. في برلين الغربية بتنا ليلة في سكن الطلبة عند اصدقاء لاحد رفاقنا. في غرب برلين اوبرلين الغربية عرفني البدر ايضا على كثير من الأماكن .. ولم ينس ان يأخذني الى صالون حلاقة حيث حلقت لحيتي الطويلة بناء على طلب حرس الحدود في المانيا الشرقية، لانهم رأوا صورتي على جواز السفر بدون لحية. واصروا علي ان لا اعود عبر حدودهم بلحيتي. حلقت ذقني وشعري ودفعت اجرا للحلاق بلغ حوالي 15 ماركا المانيا كانوا يكفونني للعيش شهر في بولندا، التي عدنا اليها بعد ايام قليلة.

لبنان – مخيم عين الحلوة – نوفمبر 2015 :

سافرت الى هناك لزيارة الاهل وللقيام بتوقيع كتابي خيمة غزة الصادر سنة 2015 في بيروت، في معرض الكتاب الدولي ببيروت وفي مدينة صيدا بمركزمعروف سعد الثقافي. صدقوني كان علي بدر ياتيني بشكل شبه يومي وكنا نجلس ونتحدث في الثقافة والسياسة والدين ونستحضر الذكريات وزمن بولندا والدراسة واسماء الاصدقاء والنهفات والصرعات والمحطات الجميلة والتعيسة من تلك الفترة من الزمن. كان علي سعيدا جدا بتلك الذكريات واعتقد انه كان يحن للايام البولندية بالرغم من تأكيده لي انه لن يغادر مخيم عين الحلوة وانه مرتاح هناك وسوف يبقى في المخيم. كلما جاء علي كان يحمل بيده كيسا اوحقيبة او كلاهما وكان يضع فيهما كتبا واوراقا مختلفة. بقي حريصا على المطالعة والقراءة والاستفادة من كل كتاب يعجبه. لذا اصر علي ان اهديه كتبي وانا بدون اصراره كنت حجزت له نسختين من كتابي في حضرة الحنين وخيمة غزة. قبل حفلتا التوقيع للكتابين قام علي بتوزيع الدعوات بنفسه حتى انه اصرّ علي ان ارسل دعوات لبعض الناس الذين ترددت في دعوتهم. في النهاية قلت لعلي تصرف انت كما تريد وادعو من تحب. وفي حفل التوقيع بمدينة صيدا كان علي اول الواصلين وهو من قام مع اخرين بتجهيز القاعة للحفل.

اخر لقاء مع علي كان في منزل عائلتي حيث سهرنا طويلا وتحدثنا كثيرا واوصاني ان اترك له طاقيتي يوم السفر لانها اعجبته. وفعلا تركتها له عند الأهل .. بقيت الطاقية وغاب البدر علي .. الذي آلمني وأحزنني جدا رحيله المبكر.

للموضوع تتمة ..

نضال حمد

اوسلو في 12-7-2016

اترك تعليقاً